لم أكن أعرف أيَّ شيء عما يُسمّى مرض الإيدز. عندما كنت أستمع إليهم وهم يتحدثون عني، حيث يملؤهم الخوف والقلق، صدمةٌ كبيرة أصابتني، لأنني لست من اكتشف المرض أولاً، وإنما طبيب سمع نبأ إصابتي، ومن ثم أشاع الخبر على الآخرين». بتوتر كان بادياً على صوته، أنهى (ف) حديثه المرتبك بقوله: «الطريقة التي . عاملني بها الناس، عندما تناقلوا خبر إصابتي، هي التي أشعرتني بصدمة تفوق وقع إصابتي بالمرض نفسه، وهي اللحظة نفسها التي بدأ تفكيري فيها بمغادرة المكان الذي أعيش فيه أنا وعائلتي. وهو ما حدث بالفعل».
و(ف) هو رقم من أصل إجمالي معترف به هو 624 مصاباً بمرض متلازمة العوز المناعي المكتسب (الإيدز)، حسب إحصاءات وزارة الصحة السورية، في حين تشير مصادر وزارة الصحة إلى أنَّ «عدد المصابين بالمرض قد يفوق أضعاف الرقم المذكور؛ إذ إنَّ هناك حالات مازالت مجهولة بالنسبة للجهات المختصة، وستبقى مجهولة من قبل بعض حاملي الفيروس أنفسهم، دون أن تظهر عليهم أيّ علامة فارقة تدلّ على إصابتهم بالمرض».
تعدَّدت الأساليب والإيدز واحد
ما يجعل المرض يدخل مجال الشك والشبهات وجودُ أسباب متنوعة للإصابة به، مع بقاء نسبة تفوق 11 % من المصابين يجهلون سبب انتقال المرض إليهم. فمع تعدد الأسباب المؤدية للمرض تبقى العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج على رأس القائمة وبنسبة تزيد على 60 %، يليها انتقاله من الزوج إلى الزوجة بنسبة 14 %. وما يؤيّده الأطباء أنَّ انتقال الفيروس من الرجل إلى المرأة يفوق انتقاله من المرأة إلى الرجل بسبعة عشر ضعفاً. وتراوحت النسب الأخرى بين 10 %، عبر نقل الدم ومشتقاته و9 % عبر العلاقات الجنسية الشاذة (لواطة)، و4 % عبر المخدرات، مع العلم بأنَّ معظم حالات العدوى التي حدثت عن طريق نقل الدم ومشتقاته حدثت قبل العام 1992 وبعضها حدث خارج القطر بحسب البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، كما أنَّ إصابات الذكور ارتفعت إلى 78 % من المجموع و22 % من الإناث.
¶ جغرافيا الفيروس
بناءً على إحصاءات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز ووزارة الصحة في العام 2008، تبيَّن أنَّ توزع المصابين على الخارطة السورية يضع دمشق على رأس القائمة- وهو ما يعتبر بديهياً. فدمشق وريفها يضمّان أكثر من ربع العدد الإجمالي للسوريين، كما أنها تحتضن الغالبية العظمى من العرب والأجانب الذين تضاف أعدادهم إلى العدد الكلي للمصابين.
وبالعودة إلى عالم الأرقام نجد أنَّ العدد الكلي للمصابين السوريين والعرب والأجانب بين عامي 1987 و2009 بلغ 289 مصاباً تمَّ كشفهم في محافظة دمشق وريفها والقنيطرة، أي ما يعادل نصف الحالات المكتشفة. وتأتي حلب في المرتبة الثانية بـ75 مصاباً، ثم حمص بـ38 مصاباً، فاللاذقية بـ22 مصاباً. أما بالنسبة إلى السنوات الأكثر اكتشافاً للإصابات خلالها فقد شهد العام 2006 النسبة الأكبر من المصابين (70 مصاباً، 34 منهم سوريون والباقي غير سوريين)، يليه العام 2007 بـ53 حالة، منها 20 إصابة للسوريين والباقي 33 من غير السوريين. وفي العام 2005 تمَّ اكتشاف 47 حالة، 22 منها لسوريين، و25 لغير السوريين.
وتشير أرقام البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إلى أنَّ النسبة الأكبر من المصابين بمرض الإيدز هي من غير السوريين، وهي غالباً لخادمات آسيويات، تليها الفنانات ممن تعملن في الملاهي الليلية. وأكبر دليل على ذلك تسجيل 30 إصابة من بين الخادمات في العام 2006 وحده.
¶عرب وأجانب
وبالعودة إلى توزع نسب الإصابة في سورية من غير السوريين في العام 2007، والذي سجّل إصابة 33 شخص إثيوبياً، من بينهم 12 خادمة مصابة. وكان للفلبين وأندونيسيا ثلاث إصابات لكل منهما (خادمات أيضاً)، فيما سجّل المصابون من العراق نسبة مساوية بـ3 إصابات.
وتأتي المغرب بعد ذلك ترتيباً أيضا بثلاث إصابات (فنانات)، ثم روسيا وأوكرانيا (اثنتان لكلّ منهما من الفنانات)، وساحل العاج (2)، والسعودية (1)، وغانا (1). ومع كلّ هذه الأرقام تتصاعد أهمية نشر الوعي بين شرائح متنوعة من المواطنين وضرورة التدقيق على عبور الجنسيات المتعددة والفحص الدوري، لاسيما فيما يتعلق بالخادمات اللواتي انتشرن بكثرة في الآونة الأخيرة.
وصمة عار
بينما تركز معظم الدول المتقدمة على قضية العلاج النفسي، بما يدعم القبول الاجتماعي للمرض والمريض، باعتباره مرضاً عادياً من الممكن أن ينتقل عبر الدم كالتهاب الكبد الإنتاني أو غيره ومن الممكن أن تخفّ آثاره بمرافقة العلاج الطبي الدوائي؛ تبقى النظرة السائدة عن المرض تنعكس على المريض حتى يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأنه فاسد أو منحل أخلاقياً، بغض النظر عن سبب الإصابة، ويرفض المحيط التعامل معه وحتى المثقفون منهم، خوفاً من العدوى، متجاهلين ما تصدره وزارة الصحة العالمية من تعليمات ودراسات تعطي مريض الإيدز سنوات أكثر لعمره. وكلّ هذا يدفع المصاب إلى إحدى الطريقين؛ إما الكتمان أو الفضيحة.
¶ بين نارين
الإجراءات الوقائية التي تركّز عليها وزارة الصحة، ممثلة بمركز المشورة والاختبار الطوعي والبرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، هي بيت القصيد في القضية التي تشغل بال الكثيرين من السوريين ممن لا يتقبلون فكرة المرض باعتباره ينتقل دائماً بطرق منحرفة كالمخدرات أو الجنس غير المشروع. وهو ما دعمته بعض أعمال الدراما السورية بعد تناولها المرض بشكل مغلوط عزّز النظرة السلبية التي تطالب بعزل المريض في مكان مغلق، وأهملت في المقابل التركيز على موضوع الوقاية ونشر التوعية اللازمة؛ باعتبار التلفزيون، ولاسيما الدراما، يحقق أعلى نسبة مشاهدة على الإطلاق على الأخص في سورية.
لا يقتصر الموضوع على الدراما؛ فمع كلّ جهود الجهات الرسمية والمراكز الصحية لتغيير هذه الوصمة لا تزال المعاناة كبيرة بالإقناع والتوعية، سواء في الريف أم في المدن.. كما أنَّ المحاضرات وورشات العمل المقامة بكثره هنا وهناك لا تفعّل موضوع التوعية على أرض الواقع كما يجب، لأنها تحرّض الإعلام على تعريف الناس بخطورة
¶ اغتراب أم تمايز سلبي.. لا فرق
«بطبيعة الحال أيّ إنسان يصاب -والكلام للدكتور جورج قسيس الباحث الاجتماعي- بمشكلة معينة يشعر بشيء من الاغتراب بالنسبة إلى محيطه؛ ذلك أنَّ هؤلاء الأشخاص يشكلون أقلية؛ الأمر الذي يشعرهم بالتمايز عن بقية أفراد مجتمعهم. هذا التمايز السلبي قد يخلق لديهم ردود أفعال سلبية تتمثّل في ظواهر متنوعة ومتعددة كالانطواء أو العزلة أو العدوانية أو التمرد. وهذا أمر -لا شك- غير مستحب؛ إن من الناحية الإنسانية أم الاجتماعية». وهو في ذلك يتّفق مع الاختصاصي في علم النفس الدكتور تيسير حسون، الذي يبدأ كلامه بالاعتقاد: «أعتقد أنَّ بعضاً ممن أصيبوا بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) تقودهم الطريقة التي يعاملهم بها المجتمع إلى سلوك عدواني يمسّ الآخرين. هذه المشكلة العدوانية سببها إشراك الآخرين في مأساتهم. فباعتقادهم الآخر ليس له أيّ صفة محددة، بل هو متمثل في جميع الأشخاص المحيطين بالشخص المصاب. وهذا ما يدفعه إلى ممارسة السلوك العدواني من أجل إسقاط أو تعميم أسباب إصابته بالمرض على الآخرين».
عندها يبدو المريض أمام المجتمع كما لو أنهما يرقصان على طرفي نقيض؛ فكلاهما يحمّل الآخر الأسباب. فالأول يحمّل المجتمع فكرة الكبت الجنسي بعاداته وتقاليده، علماً بأنَّ الديانات السماوية كانت المصدر الأول للثقافة الجنسية، في الوقت الذي يُحيل المجتمع أسباب المرض إلى حالة الضياع التي يعيشها الشباب في عصرٍ انفتح على كلّ شيء باختصار البعد عن القيم الأخلاقية، ويتناسون أولاً أنَّ هذا البعد ما كان ليحدث لو عرف المجتمع بكلّ هيئاته كيف يحتضنهم.. وثانياً الاتصال الجنسي أو الشذوذ ليس السبب الوحيد في نقل العدوى من شخص إلى آخر. وهذا يفتح الباب أمام قضايا خطرة تتعلّق بالمخدرات.. والجهالة الصحية على نحو ما حدث في مستشفيات بعض الدول الأفريقية.
¶ مشورة ودعم
من اللافت للانتباه أن يوجد مكان باستطاعته تقديم جزء من الخدمات والدعم لهؤلاء المرضى دون أن يقتصر الموضوع على الأهالي والمقربين للمريض. وهؤلاء من الممكن، في بعض الأحيان، أن يوجّهوا بدورهم أصابع الاتهام إلى مرضاهم، بما يؤذي نفسية المريض قبل أذية الجسد. ودور مركز المشورة والفحص الطوعي إحدى الجهات المسؤولة عن تقديم المساعدة لأيّ مريض يتعرّض للقهر الاجتماعي والنفسي، هو أن يتمّ التعامل مع المراجع، سواء ثبتت إصابته أم لم تثبت، عن طريق الحوار والإقناع بالابتعاد عن سلوكيات تؤدي إلى الإصابة، مع السرية التامة حتى عن ذكر اسمه، بالإضافة إلى تقديم الرعاية النفسية للمريض وإعادة تأهيله للاندماج مع المجتمع المحيط.. لاسيما عندما يتعلّق الموضوع بمصير شخص انقلبت حياته رأساً على عقب بعد مرضه، وتحوّلت إلى وهم ومأساة لا تنتهي إلا بموته بحسب مجتمعه.
¶ شك مراجعين
في إحصائية تتضمّن عدد المراجعين الذين زاروا مركز المشورة والاختبار الطوعي للأعوام 2007، 2008، 2009 تبيَّن أنَّ العدد الكلي بلغ 3542؛ 87 % منهم من الذكور و13 % من الإناث، في حين بيّنت الإحصاءات أنَّ نسبة المراجعين من عمر 14-16 سنة 1،2 %. أما 17-25 سنة فهي 32 %، في حين فاقت نسبة فئة الأعمار ما بين 26-35 النسب السابقة لتتجاوز 46،8 %. أما النسبة الباقية فهي 2 % للفئات التي يكون عمرها 35 عاماً وما فوق. ولنا أن نتوقّع حجم الآثار السلبية التي من الممكن أن تخلّفها مجرد زيارة المركز لإجراء الفحوصات، فكيف الحال إذا ثبتت الإصابة؟!.. كيف سينظر إليهم المجتمع؟.. هنا ربما تكمن المأساة.
في الوقت الذي أشارت فيه الدكتورة هالة خير بيك (مديرة الأمراض البيئية والمزمنة في وزارة الصحة) إلى وجود حالات مازالت مجهولة.. فالوزارة تتابع الأشخاص المسجلين على أنهم من مرضى الإيدز، وهناك 7 مراكز للمشورة والفحص الطوعي تابعة إلى وزارة الصحة، و6 تتبع إلى جمعية تنظيم الأسرة، ومركز واحد للهلال الأحمر.
بداية أم نهاية؟
العام 1981 كان على موعد مع أول إصابة بالإيدز في العالم، وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية، ما لبث بعدها أن اتخذ طابعاً عالمياً على شكل انتشارات وبائية طالت كلّ المجتمعات حتى المُحافظة منها.
وبالفعل، خلال عقدين، وصل عدد المصابين بنقص المناعة المكتسبة (الإيدز) في العالم إلى 60 مليون مصاب، تُوفي منهم حتى الآن 30 مليوناً، حيث بلغ معدل التزايد 300 %. وهذا ما حدا بمنظمة الصحة العالمية إلى اعتبار هذا المرض بمثابة التحدي الأكبر الذي تواجهه البشرية في هذا القرن.
وتفادياً لسرعة فتكه وعدم اكتشاف العلاج الشافي منه تماماً، تتالت الاختبارات في المراكز التابعة لوزارة الصحة وبنوك الدم، والتي وصل عددها من تاريخ اكتشاف أول إصابة في سورية العام 1987 حتى العام 2007 إلى (4708444) اختبار، والتي خلصت، بعد تحليل الإليزا Elisa مرتين على نفس عينة الدم الأولى وتحليل البقع الغربية Western blot على عينة دم جديدة، إلى أنَّ هناك 500 شخص كانت نتائج اختباراتهم إيجابية، أي أنهم أصيبوا بالفيروس الذي يتحوّل في مراحله الأخيرة إلى إيدز.
ومازالت الأبحاث إلى اليوم تجري على قدم وساق للوصول في النهاية إلى علاج ناجع يسيطر على الفيروس ويحدّ من انتشاره
مرضى الإيدز.. مرضى الوصمة..!!
بلدنا
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية