أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عن "مؤتمر اللاجئين".. ثلاثية قيصر والمقابر والأرشيف المليوني في مقابل الرجل "المأكول"

من المؤتمر - جيتي

· خلال 10 سنوات كرر النظام دعواته لاستعادة اللاجئين أكثر مما كرر دعواه لاستعادة الجولان خلال عقود.
· لم يعد لدى الأسد الولد من عصي ولا جزر، سوى تلك التي تنهال عليه.
· الرهان على الوقت ومروره سلوك يغري بشار كثيرا، بفعل تجربة أبيه الذي عاد إلى المجتمع الدولي "معززا مكرما" بعد طول إجرام.



منذ مقولته لقد خرجوا لزيارة أقاربهم وسيعودون قريبا، التي روجها مطلع الثورة السورية عام 2011 بحق أول دفعة من اللاجئين فرت نحو تركيا.. حتى انصياعه لـ"بوتين" فيما يسمى مؤتمر اللاجئين في دمشق.. لم يكل نظام الأسد ولم يمل من لوك أسطوانة اللاجئين واللعب بورقتهم، ومحاولة استردادهم من جميع بلاد الشتات، مستخدما في ذلك ذرائع مختلفة، ومحاولا استثمار بعض الأحداث التي تقع هنا أو هناك ويكون لها ارتباط مباشر أو غير مباشر باللاجئ السوري.

وبغض النظر عن التوقيت السيء، بل بالغ السوء، الذي اختاره "بوتين" لعقد مؤتمر الداعي لعودة السوريين اللاجئين، حيث لم تعد صور الفقر والعوز والإذلال حتى في سبيل تحصيل رغيف الخبز بحاجة إلى شرح، لكثرتها ولأنها ملتقطة بعدسات الموالين وليس "الإعلام المغرض".. بغض النظر عن كل هذا الوضع المعيشي المتهالك في جميع جوانبه وبُناه، فإن القضية التي ما تزال ماثلة كوحش يتربص حتى بمن يحلم مجرد حلم بالعودة، هي نظام الأسد نفسه ومعتقلاته، التي خبرها مئات آلاف لسوريين وغير السوريين، وأجهزة قمعه التي ما تزال تطارد مئات الآلاف الآخرين ممن لم "يسعفها الحظ" في اعتقالهم وتعذيبهم، ولأجل هذا.. وهذا فقط، لا يمل النظام من إبداء حرصه الشديد وتكرار دعواته كل حين من أجل استعادة اللاجئين، حتى إن عدد دعوات استعادة اللاجئين خلال 10 سنوات فاقت أو تكاد عدد دعواته لاستعادة الجولان، منذ صفقة بيعه عام 1967.

*دولاب الأيام
منذ البداية، وكما كشفت إحدى الشهادات المسربة من رسائل وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون".. كان بشار الأسد يلعب على عامل الوقت، ويراهن إلى أبعد حد على "دولاب الأيام" في تبريد المسائل الملتهبة، وإحالة الملفات المنشورة إلى أدراج النسيان، وتغير مقاربات السوريين وحتى المجتمع الدولي للأمور مع مرور الزمن، مستندا في ذلك إلى مقولة "إذا نجح ذلك مع من قبلي فسينجح معي"، ودليله الأكيد ما ارتكبه والده حافظ من مجازر وانتهاكات، قبل أن يعود إلى حضن المجتمع الدولي "معززا مكرما"، يشاد بـ"حكمته" في التقارير، ويقدم بصورة الرجل القوي الذي يحفظ توازن سوريا والمنطقة!

ومن هنا، أي انطلاقا من عامل الوقت، يريد بشار أن يلعب لعبة أبيه القديمة، رغم الاختلاف الواضح بين الظروف الحالية (سورياً ودوليا) والظروف التي كانت سائدة يومها، فيومها كان عدد الشهود السوريين على إجرام الأسد خارج الحدود قليلا بالمقارنة مع عددهم الضخم الآن، ويومها كان الأسد الأب يستطيع أن يشهر تارة العصا وأخرى الجزرة في وجه الدول والأشخاص والمنظمات، ليساوم على تسليمه "زيد" أو عودة "عبيد" من السوريين المعارضين، الفارين من بطشه، أما الآن فإن الأسد الولد ضعيف لدرجة أن العصي صارت تنهال عليه من حلفائه قبل "أعدائه"، وأما الجزر فله حديث آخر، تغني فيه الإشارة عن العبارة!

صحيح أن السوريين لم يكونوا ولن يكونوا مستقرين في منافيهم ببلاد اللجوء، فالنفي عن الديار كان وما يزال من أشد العقوبات المطبقة بحق الإنسان، ولكن الصحيح أيضا أن هذه الديار تضم مراكز اعتقال أكثر من المشافي، وعسساً ومخبرين أكثر من معلمي المدارس، وتنفق على القتل والتعذيب والمقابر الجماعية بـ"سخاء"، يقابله "كسر يد وتسول" في الإنفاق على الضروريات.

*من ينسى؟!
هذا بالعموم، أما حينما ندخل في التفاصيل، فلا بد لنا أن نتذكر أن مصورا واحدا حمل معه ما يفوق 55 ألف لقطة من أبشع ما وثقته البشرية في تاريخها، تظهر أجساد 11 ألف معتقل قضوا تعذيبا وحرقا وتجويعا وتقطيعا في معتقلات الأسد (بينهم نساء وأطفال وعجائز)، وهذا فقط كان ما استطاع "قيصر" توثيقه حتى صيف 2013، أما بعده فالله وحده يعلم كم التقطت مخابرات الأسد من هذه الصور، وكم قضى تحت سياطها من أبرياء.

واستمرارا لحديث الأرقام، وتأكيدا لمن يراهن الأسد على "نسيانهم" لما جرى، نستعيد شهادة لما تزل بعد "طازجة"، فقد أدلى بها في أيلول الماضي مشرف على عمليات الدفن في المقابر الجماعية، حين أكد أمام إحدى المحاكم الألمانية دفن أعداد ضخمة للغاية من "الجثث"، وأخبر "زمان الوصل" تحديدا أنه لن يبالغ أبدا في تقديراته إذا قال إن عدد من عاين دفنهم لا يقل عن مليون ونصف المليون "جثة"، خلال 6 سنوات (بين 2011 و2017).

الأخطر بعد "قيصر".. بماذا باح "Z-30" عن هلوكوست الأسد ومقابره الجماعية




وقبل ذلك كله، كانت الأرقام الأضخم التي انفردت "زمان الوصل" بنشرها، موثقة وجود ما يقارب 1.7 مليون مذكرة في الأرشيف المخابراتي التابع لنظام الأسد، تخص مواطنين من 153 جنسية منهم حوالي 1.5 مليون مذكرة تستهدف السوريين، بينها نحو نصف مليون مذكرة اعتقال، وهذا فقط حتى عام 2014، أما بعده فليس هناك ثبوتيات تكشف كم أضيف لهذا الأرشيف من مذكرات اعتقال، هي في النهاية أوامر قتل صريحة، لأن الاعتقال في السنوات الأخيرة بات مرادفا للتصفية، بعدما أطلق بشار يد مخابراته وشبيحته لأقصى حد، وأخبرهم عبر خطاباته العلنية وأوامره السرية إن كل من ليس معه فهو ضده، وكل من هو ضده متآمر خائن وجب التخلص منه بلا هوادة أو رحمة، وهذا ما تبوح به صور "قيصر" بجلاء، حيث عاين السوريون والمجتمع الدولي معهم لقطات كثيرة لأجساد تم تعذيبها بوحشية مفرطة واستثنائية، من اقتلاع العيون إلى قطع الأعضاء إلى التحريق إلى السحق، إلى...


*معاندة الواقع
إن "الثلاثية" آنفة الذكر، ونعني بها: صور "قيصر"، والمقابر الجماعية، وأرشيف المخابرات الضخم، كافية مجتمعة، بل إن واحدة منها كافية، لردع أي سوري فر من بطش النظام عن مجرد الحلم بالعودة إلى بلاد يحكمها الأسد، بغض النظر عن غيرها من عوامل الانهيار الاقتصادي والتدهور المعاشي وتغول الفساد وتفشي الجريمة، وتطاحن الحيتان فيما بينهم (بشار وابن خاله رامي مثالا)، في معارك يدفع "المعترون" فاتورتها الأضخم، وتجعل الكثيرين بمن فيهم عتاة الموالين يتوسلون الخروج من البلاد، والفرار من جحيم "سوريا الأسد" بأي ثمن.

فعلام يراهن بوتين وبشار في "مؤتمر اللاجئين"؟؟، وهل يمكن أن يكون إصرارهم على معاندة الواقع العنيد أصلا، ألا ضربا من الجنون والانفصال، الذي يشبه حالة إنسان اشتكى ذات يوم مرضا خطيرا جعله يتصور نفسه حبة قمح، ويهاب بهوس أي دجاجة أو ديك لأنه سيكون "مأكولا" منهما لا محالة، وبعد طول علاج على يد طبيب نفسي ماهر، اقتنع المريض أنه شخص عادي ولم يكن ولن يكون حبة قمح، فزفر الطبيب زفرة ارتياح عميقة، لكن المريض قطعها بسؤال صاعق: "ها قد شفيت على يديك، واقتنعت تماما أني لست حبة قمح، ولكن قل لي يا دكتور من يقنع الدجاجة بذلك؟!!".

إيثار عبدالحق - زمان الوصل
(99)    هل أعجبتك المقالة (103)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي