أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

11 أيلول .. هيروشيما أمريكي .... مازن كم الماز

مهما بلغ ما حدث يوم 11 أيلول سبتمبر من بربرية فإنه لم يكن أول اعتداء همجي على أشخاص مدنيين أو لنتجاوز عبارات المحافظين الجدد : على بشر مجرد بشر..قام الأمريكيون عند نهاية الحرب العالمية الثانية بإلقاء قنبلتين نوويتين على كبريات مدن اليابان و ذهبوا إلى شاشات التلفزيون ليشاهدوا مئات آلاف اليابانيين و قد أحرقهم سلاحهم السري الرهيب المتطور حتى الموت ثم ذهبوا و احتفلوا بالنصر بصخب ثم زادوا على ذلك بأن اعتقدوا أنهم المسئولون عن كل ما أنجزه اليابانيون لاحقا لأنهم خلال حكمهم المباشر للشعب المهزوم "وضعوا الأساس" لليابان الحديثة أي أنهم لقنوا الشعب الياباني بنجاح درسا في التمدن و من هذا المنظور طالما اعتقد الأمريكي العادي أن استخدام القنابل النووية لقتل عشرات الألوف عملا "تقدميا" بالنسبة للضحية كما أنه يمثل بالضبط فحوى التقدم تاريخيا و إنسانيا..لقد ساهمت أمريكا بتقدم العالم على هذا النحو حتى قبل أن تنال استقلالها عندما جاءت بملايين الأفارقة إلى مزارعها كعبيد و عندما خاضت حربا "مشروعة" ضد الهنود الحمر الكسالى المتخلفين , برز فيها بالمناسبة أبراهام لينكولن و كانت السبب في صعود نجمه السياسي..هكذا حققت الإمبريالية الأمريكية تراكمها الأولي من الاستغلال الوحشي لوسائل إنتاج "مدنية" أي بشرية باستخدام السياط و البنادق العادية أول الأمر..في عالم المنافسة "الحرة" عندما كان الموضوع يتعلق بالاستعداد للمضي بدون رحمة حتى نهاية الطريق في سبيل ما يمكن تسميته بالنجاح حينا و النصر حينا آخر كانت الرأسمالية الأمريكية هي الأكثر استعدادا لتنفيذ أي شيء في سبيل تراكم المزيد من رأس المال , لقد أثبتت الرأسمالية الأمريكية أنها الأشرس الأكثر فظاظة و تصميما و لذلك كان من المنطقي في عالم يقوم على "المنافسة" حتى تدمير الخصم أن تنتقل إليها "زعامة العالم الحر" بعد الحرب العالمية الثانية..لم يكتشف الأمريكيون آلام ضحايا هيروشيما قط , كانت الطغمة الحاكمة قد أقنعت الأمريكيين بواسطة هستيريا معادية للشيوعية أن قتل الأعداء ضروري مرة أخرى..لكن عندما أدى ذلك في فيتنام لسقوط آلاف الأمريكيين أنفسهم في فترة صعود اليسار الجديد و حركة الحقوق المدنية للسود اتخذ الشارع الأمريكي موقفا متحفظا إزاء سقوط ضحايا أمريكيين..هناك مزيج من الاستغراق المريض النرجسي بالذات و مستوى غير مسبوق من الاعتقاد ب و ممارسة الداروينية الاجتماعية التي تأخذ موضوعة البقاء للأفضل إلى العلاقات بين البشر..يجب الاعتراف أن الإمبراطوريات عادة ما تفكر على هذا النحو , فشعب المركز يعتقد أنه مركز الحضارة و المدنية و التقدم و أن سقوط الإمبراطورية أمام ضغوط الشعوب "البربرية" هو سقوط للحضارة و المدنية رغم أن الإمبراطوريات تتهاوى منذ آلاف السنين لكن مسيرة الإنسانية في صعود مستمر لا يتوقف..اللافت و الأمر الذي يصل بالاستلاب الروحي و العقلي لشعوب الأطراف التابعة إلى ذروته أن الإمبراطورية هذه المرة تريد أن تحكمها باسم الحرية أي السلاح نفسه الذي طالما رفعته الشعوب المغلوبة على أمرها..من الحتمي أن تكون الإمبراطورية أكثر غنى و تطورا بل و أكثر حرية , يكفي أن نذكر كيف كان الصليبيون مثلا يتطلعون إلى الشرق أو كان العثمانيون يرون القسطنطينية أو البرابرة روما لندرك سحر مركز الإمبراطورية بالنسبة لشعوب الأطراف..و على العكس تماما مما قاله بوش في محاولته الإجابة على سؤال ( لماذا يكرهوننا ؟ ) فإن الحرية و الوفرة الاقتصادية و الاستهلاكية غير المسبوقة في أمريكا هي السبب في سحرها و جاذبيتها للشباب من كل الشعوب التابعة..إن مصدر كل هذه الكراهية مختلف تماما ( و هي بالمناسبة لا تقتصر على العرب أو المسلمين فقط , إن الأمريكيون الجنوبيون ربما هم الأكثر كراهية لجيرانهم الشماليين )..إنها حرية القتل التي تدعيها الإمبراطورية و صراخ الضحايا و همجية القتل الأمريكي مضافا إليه همجية حلفائهم – الإسرائيليون مثلا..تريد الطغمة الحاكمة في أمريكا أن تقنع الجميع ابتداءا بشعبها و حتى أبعد نقطة في العالم أن إطعامها حتى التخمة مقابل تجويع المليارات من البشر و الحفاظ على ابتزازها لكل شعوب العالم بالقوة هو خطوة إضافية نحو التقدم الإنساني و نحو المزيد من الحرية لكل بني البشر..ما جرى في 11 أيلول لم يتجاوز رد الفعل المتناسب مع الفعل لكنه لم يكن أبدا بوارد أن يطرح بديلا عن الإمبراطورية و لو أن من قام بهذا الهجوم لا يرى أية ضرورة أساسا لاستنباط أي بديل من النص المقدس بل يعتبر أن النص بوضعيته الخام هو بديل "كامل متكامل" للخطابات الإنسانية الوضعية..لا يوجد بعد أي بديل حقيقي عن هذه العلاقة المشوهة بين الشعوب بل بين البشر أنفسهم..هذا لا يلغي أن الشعوب المغلوبة لديها المبرر الأخلاقي للرد بالمثل على المعتدين أو الغزاة بل أبعد من ذلك ربما كان من حسن حظنا و حظ العالم و حتى حظ الأمريكيين أن قادة القاعدة لم يكونوا ذات الجنرالات و الساسة الأمريكيون الذين اتخذوا مثلا قرار ضرب اليابان بالقنابل النووية..ففي سبيل تحقيق النصر على عدو كان يتداعى أساسا وجد هؤلاء أن ضربه بسلاح مدمر بحجم تدمير السلاح النووي – أي الإبادة الكاملة لأعداد لا حصر لها من البشر - مبرر تماما..لو أنهم كانوا قادة منظمة القاعدة في 2001 لحاولوا بإصرار أن يحصلوا على السلاح النووي ثم أن يلقوه مرة أخرى على أي شعب في هذا العالم فقط في سبيل النصر..


(26)    هل أعجبتك المقالة (26)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي