أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عن أغلفة "المناضل" العالقة كالشوك في الذاكرة... ماهر شرف الدين*

تعثَّرتُ، قبل أيام، ببعض الأغلفة القديمة لمجلَّة "المناضل"، منشورةً على إحدى الصفحات السورية في موقع "فيسبوك"، وضربني إحساسٌ غريبٌ، وغير مفهوم، شبيهٌ بإحساس من يلتقي بالصدفة شخصاً كريهاً لم يَرَه منذ عشرين عاماً، فيعرفه من النظرة الأولى، على الرغم من طول مدَّة الانقطاع التي تفترض سقوطه من الذاكرة.

ولمن لا يعرف، فهذه "المجلَّة" هي النشرة الداخلية لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي"، والتي تُوزَّع مجاناً على جميع "الحزبيين" في سوريا؛ سواء انتسبوا إلى الحزب المذكور طوعاً أو كرهاً.

ولا أعتقد بوجود شخص من أبناء جيلي، ممن عاش شطراً من حياته في سوريا، لم يُقلّب بين يدَيْه، ذات يوم، عدداً من أعداد هذه النشرة القبيحة.

والحقّ أنَّ ما يجعلها عالقةً إلى اليوم في ذاكرة أجيال بكاملها، كما يعلق الشوك بالثياب، ليس فقط فرضها على السوريين بالقوَّة، ووجود أعدادها في كلّ بيت، واعتبار اقتنائها شكلاً من أشكال "الولاء للقائد والحزب"، بل بشاعة منظرها أيضاً.

فإضافة إلى الرثاثة الفكرية والأيديولوجية التي ترسم شخصية هذه المجلَّة وشخصية القائمين على تحريرها، ثمَّة قبحٌ بصريٌّ يرسم شكلها. حتى أنني –وقد كنت آنذاك الفتى الذي يحلم باقتناء الكتب والمجلَّات- لم أستسغ فكرة وجودها إلى جانب كتابَيْ "آنا كارنينا" لتولستوي و"النبي" لجبران، اللذين كانا الكتابَيْن الوحيدَيْن غير الحزبيَّيْن على الرفّ الذي تمَّ اختياره، بين رفوف الكومدينة، لجعله أشبه برفّ المكتبة.

بعض الأغلفة التي طالعني بها "فيسبوك" كأني رأيتُها البارحة، بل إني أحتفظ في ذاكرتي بأغلفة قديمة لم أعثر عليها بين الأغلفة المنشورة. فثمَّة غلاف بتدرُّجات اللون الزهري فقط، والعناوين بالأسود، ما يزال تصميمه مطبوعاً في ذاكرتي كأنه ذكرى شخصية وليس مجرَّد غلاف لإحدى المنشورات!

ولا أنسى شكلَ غلافٍ حملَ أحدُ عناوينه هجوماً على "الإخوان المسلمين"، وقد كنتُ صبياً لا أفقه الكثير في السياسة ومسمّياتها، ولا أعرف شيئاً عن "الإخوان المسلمين" سوى أنهم العصابة التي نتعاهد كلّ صباح، في الهتاف المدرسي، على "سحقها". وقد شغلت بالي فكرةُ قبولِنا بمناداتهم "الإخوان" وهم عصابة! فاعتقدتُ بأنَّ في القصَّة خطأً ما، فلا بدَّ أن اسمهم ليس بكسر الهمزة "الإِخوان" (إخوة) بل بفتحها "الأَخْوان" (خونة - وطبعاً هذا غير صحيح لغوياً).

لقد كانت قباحة "المناضل" جزءاً من "القبح العام" الذي غطَّى سوريا طوال نصف قرن. وكانت بشاعة أغلفتها صورةً للحياة البشعة التي عاشتها الأجيال المتعاقبة والتي لم يفطن أحدٌ لقراءة محتوياتها، تماماً كما لم يكن الحزبيون "المناضلون" يفطنون لقراءة محتويات مجلَّتهم.
 

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(100)    هل أعجبتك المقالة (26)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي