أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من أحرق السويداء؟... مزن مرشد*

الكاتب: لا يخفى على أحد فقر مدينة السويداء مقارنة بغيرها من المدن السورية

قد يكون العنوان سؤالاً، لكنه باعتقادي يجيب عن نفسه، ولا يكلفنا عناء التفكير لنصل إلى الفاعل، فمن أحرق سوريا، يحرق السويداء.

وإن أردنا أن نعرف لماذا، فهنا فعلاً يكمن السؤال، إذ تبدأ القصة منذ بداية الثورة السورية في آذار/2011، عندما نأت المحافظة بنفسها، ولم تشهد إلا القليل من الاحتجاجات التي كانت تندد بمقتلة إخوتهم في باقي المحافظات، والتي قوبلت بقمعها سريعاً، واعتقال كل من دعا لها أو شجع على قيامها ومن شارك فيها.

دفعت المحافظة خيرة شبابها شهداء تحت التعذيب، أو على الجبهات في مواجهة نظام القتل.

لم تثر السويداء كما يجب، هكذا يقول السوريون، وهذا ما ينغص في قلبنا نحن أبناؤها المنحازون لحق الحرية، ولم تشارك بالحراك مثل أخواتها من باقي المحافظات السورية، لكنها منذ البداية حسمت أمرها ألا تكون شريكاً بقتل السوريين.

رفضت السويداء دعوات التشيع التي كان الوسيط فيها الأسير المحرر درزي المولد سمير القنطار، والذي قتل في جرمانا في ريف دمشق، مع بعض قادرة حزب الله بصاروخ قيل إنه إسرائيلي.

طرد القنطار من السويداء ولم يستطع لا تشييع أهلها، ولا حتى إنجاح مشروع حزب الله بتشكيل فصيل مقاتل درزي سمي وقتها " لبيك يا سلمان" نسبة إلى الصحابي الجليل سلمان الفارسي الذي يحظى بمكانة خاصة لدى الدروز، ولم تفلح جميع تلك المحاولات في تفكيك موقف الجبل، ليتم بعدها رصد انشقاق أكثر من 2000 من أبناء الطائفة الدرزية عن صفوف جيش وقوات النظام، منهم من غادر البلاد مع أسرهم، ومنهم ظل يقاتل جنباً إلى جنب مع إخوتهم في درعا وباقي المناطق المشتعلة، إضافة إلى أكثر من 18 ألف شاب رفضوا الالتحاق بالخدمة الإلزامية.

حاول النظام الضغط على السويداء، بالضغط على مشايخ العقل الثلاث باستصدار بيان يحثون فيه الشباب الدرزي على الالتحاق في جيش الأسد، لكن المشيخة الروحية الدرزية أعلنت الحرم (من التحريم) على كل من يلتحق بالخدمة العسكرية، ما جعل النظام يستشيط غضباً من المحافظة الجنوبية الفقيرة، فيطلق فيها يد الأفرع الأمنية، وعصابات الخطف والترويع، والتفجيرات، عبر وفيق ناصر وبعض المتعاونين معه من المرتزقة من أبناء السويداء أنفسهم، ناهيك عن محاولة إثارة الفتنة بين السويداء وجارتها التاريخية درعا، لجر الطرفين إلى مقتلة ظاهرها طائفي وحقيقتها انتقاماً من الطرفين، لكن العقلاء من الطرفين ظلوا ينجحون دائماً بإخمادها.

لم ييأس النظام أبداً من محاولة جره للسويداء إلى آتون حربه القذرة على شعب ما أراد إلا الكرامة، وهنا ظهر الشيخ وحيد البلعوس الذي أعلنها بصوت وصل إلى مسامع قصر المهاجرين بأن السويداء لن تسمح بأن يكون أبناؤها حطب معركته، فدم السوري على السوري حرام، ورفض رفضاً قاطعاً مشاركة شباب المحافظة بخدمة العلم، لكن رد النظام كان سريعاً، باستهداف الشيخ البلعوس واغتياله مع عدد من رفاقه عبر تفجير هز السويداء، استشهد فيه من استشهد مباشرة، ومنهم من وصل إلى مشفى السويداء الوطني، فأجهز عليه عناصر الأمن داخل المشفى ومنهم الشيخ وحيد البلعوس نفسه.

اعتقد النظام أنه بالخلاص من البلعوس، ستنتهي مشكلته، وسيرعب كل من يرفض الالتحاق بجيشه، وجاء رد شباب السويداء بتشكيل فصيل مقاتل باسم الشهيد وحيد البلعوس الذي لقب بعد استشهاده بشيخ الكرامة.

حمل فصيل شيخ الكرامة أفكار مؤسسه وشعاره "يا فوق الأرض بكرامتنا يا تحت التراب بكرامتنا" وظل رافضاً الالتحاق بجيش الأسد قاتِل للسوريين.

لا يخفى على أحد فقر مدينة السويداء مقارنة بغيرها من المدن السورية، إذ انتهج الأسد الأب فيها سياسة الإفقار بعد قتله لرفيق دربه البعثي سليم حاطوم، ليظل الأسد خائفاً من ازدهار المحافظة ما يقوي شكيمة أهلها، فكانت السويداء المحافظة المهمشة اقتصادياً وسياسياً وتنموياً، ليدفع أبناءها دفعاً للاغتراب القسري لتأمين لقمة العيش.

تعيش السويداء كما كل سوريا حالة تردٍ اقتصادي، في ظل الركود والكساد الذي يطال كافة المجالات، فمحصولها من التفاع لم يعد يجد سوقاً كما السابق ليكفيها شر العوز، وإنتاجها من القمح الذي يكفيها محلياً، وتصدر منه حصةً، والذي يعتبر رديفاً اقتصادياً للمحافظة، احترق اليوم.

لم تشهد السويداء خلال عقود حرائق تذكر إلا فيما ندر، لكنها اليوم باتت تشهد حريقاً تلو الآخر، ما يجعل أبناء المحافظة مشككين بالمتسبب الذي يقف خلف هذه الحرائق، خاصة بعد أن وجدوا أكياساً حرارية ترمى من طائرات مسيرة في الحرائق الماضية، التي أطفأها أهلوها بأيديهم واحتسبوا لله أرزاقهم وعرقهم وقوت أطفالهم، ومع ذلك حاولوا تجاوز المحنة بأقل الخسائر، لتأتي خسائر اليوم، كالشعرة التي تقطع ظهر البعير، فتقضي على حراج عمرها مئات السنين، وتنهي حياة أشجار السنديان المعمرة في أرض الأحراش البعيدة عن وصول المارين إليها فكيف احترقت؟

وانتقلت الحرائق من هناك لتقضي على أكثر من 300 دونم من المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة بأنواعها في عدد من القرى الجبلية بعد أن شبت النيران فيها لتعود، الذاكرة القريبة إلى مشاهد اللهب العالي الذي التهم آلاف الدونمات الزراعية في السنة الماضية دون أن يتمكن أحد من إيجاد الدليل القطعي على الفاعل المجهول الذي يتهمه المجتمع المحلي بالعمل الكارثي من أجل تجويع الناس.

بات الوضع الاقتصادي على شفا الانهيار، ولا سبيل إلا العودة للأرض كي تحمي أهل السويداء من مصيبة جوعٍ قريب.

وكأن قاتل السوريين يضعهم أمام أمرين أحلاهما مر، إما الموت جوعاً، وقهراً تحت وطأة العوز للقمة العيش، وبين التجنيد في صفوفه، أو الانخراط مع الفصائل المسلحة لا لهدف عقائدي، وإنما فقط لسد رمق أسر لم يبق لها شيء.

بهذه الطريقة سيستطيع الأسد زج أبناء السويداء في معركة الموت التي استطاعوا أن يتجنبوها طويلاً.

ببساطة وبمعرفة المستفيد نعرف الفاعل، لكن وإن عرفناه ولماذا فعل، فهل ستستطيع المحافظة أن تصمد بالحفاظ على موقفها بإبعاد أبنائها عن حمل إثم الاشتراك بقتل إخوتهم، وألا يكونوا أداة جديدة في يد الأسد؟

*من كتاب "زمان الوصل"
(31)    هل أعجبتك المقالة (19)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي