أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

خليوي رامي مخلوف والثورة... فؤاد عبد العزيز*

تمويل قتل الشعب

توفيت والدتي في مثل هذه الأيام من عام 2003 في درعا، وكدت ألا أحضر جنازتها، لأنني كنت في دمشق، ولم يكن لدي موبايل لكي يتصلوا بي ويخبرونني بوفاتها، لكن شاءت الصدف أنني في الليلة السابقة كنت قد أخبرت أخي الأكبر الذي يملك موبايلا، بأنني سوف أكون متواجدا طوال اليوم التالي مقابل مدرسة التمريض في المجتهد.. فما كان من أخي إلا أن وقف في منتصف الشارع، وأخذ يصرخ بأعلى صوته على اسمي، وعندما خرجت، قال لي على الفور: هيا بسرعة..أمك ماتت..! بعدها بعام تقريبا، حدثت قصة مشابهة، ومع أخي ذاته الذي كان يملك موبايلا، لكن المتوفى هذه المرة كان زوجة أخي الآخر، بالإضافة إلى جرح عدد من أولادها، في حادث سير على طريق حمص..ويومها اعتقدت أن الحادث حصل مع أسرتي، لأنهم كانوا في نفس الفترة في حلب وينوون العودة إلى دمشق..لذلك لم أصدق إلى أن وصلت إلى المشفى في "قارة" وتأكدت أن الجرحى ليسوا أولادي.

بعد تلك الحادثتين، أخذت عهدا على نفسي، بأنني سوف أشتري موبايلا حتى لو اضطررت لأن أشحد ثمنه من أمام الجوامع..كنت وقتها موظفا براتب 4 آلاف ليرة سوريا، وبعد جولة قصيرة على أسواق الجوالات المستعملة، اكتشفت أن ثمن الموبايل لا يقل عن 10 آلاف ليرة، بالإضافة إلى أن تشغيله لا يقل عن 1000 ليرة شهريا، أي 25 بالمئة من راتبي..فتوكلت على الله واتفقت مع أحد المحال على شراء جوال مستعمل، على أن أعطيه كل شهر ألف ليرة من ثمنه، ثم أخبرت الأسرة بأننا سوف نشد الأحزمة لمدة عامل على الأقل، وأقنعتهم أن كل ذلك لا يعادل حالة رعب واحدة من التي عشتها سابقا بسبب عدم امتلاكي للجوال.

في تلك الفترة، كانت قد بدأت حمى الجوالات تنتشر بكثرة في سوريا، بعد أن اكتشف الكل بأنها سلعة ضرورية لا غنى عنها، وليست سلعة كمالية..لذلك كان أفراد الأسرة السورية جميعهم يعملون من أجل دفع فواتير جوالاتهم، وتغييرها في كل عام تقريبا، تماشيا مع الموديلات والميزات الجديدة التي تظهر معها. وفي حدود العام 2007 تقريبا، كان أكثر من 7 مليون فرد من الشعب السوري يدفعون قسطا كبيرا من دخلهم إلى رامي مخلوف، فتوقفت معها المشاريع الشخصية وبدأت طباع الناس تتغير في علاقتها مع بعضها البعض، وظهرت نزاعات كبيرة بين الأصدقاء، أدت إلى القطيعة في الكثير من الأحيان، بسبب انتشار ظاهرة "التعليم" على الجوال، إذ إن ثمن الدقيقة الواحدة كان بـ 7 ليرات، وهو مبلغ كان يشتري في ذلك الوقت نحو 2 كيلو بندورة.

في عام 2010، اتفقت مع وزير الاتصالات في ذلك الوقت، عماد صابوني، على إجراء حوار تلفزيوني على الهواء مباشرة، بقيادة المذيع نزار الفرا .. فوجئت به في نفس يوم اللقاء صباحا يتصل بي ويطلب لقائي في مكتبه مع نزار، من أجل أن نتفق على النقاط التي سيتم إثارتها في الحوار، وإذ به يشترط عدم التطرق لموضوع الخليوي في سوريا على الإطلاق، بينما كان الحوار الذي أعددته كله يقوم على هذا الموضوع..عندما خرجنا من عنده، سألني نزار: وماذا ستفعل الآن..؟ رددت: سوف يبقى كل شيء على حاله..أساسا حوارنا على الهواء مباشرة "خليه يضرب راسو بالحيط".

وتابعت: بربك، ما هي المواضيع التي ستناقشها مع وزير الاتصالات وتحظى باهتمام الناس، إذا لم يكن موضوع الخليوي هو أساسها..؟ 

وبالفعل حدثت الصدمة لوزير الاتصالات مع مطلع الحوار والمقدمة التي كنت قد كتبتها بعناية وتطرح تساؤلات كبيرة عن قضية الخليوي في سوريا، وارتفاع أسعار المكالمات بالقياس إلى دخل الأسرة، بالإضافة إلى العديد من القضايا المرتبطة بالموضوع، والتي تشير إلى أن وزارة الاتصالات والدولة كلها كانت مرتهنة لرامي مخلوف..أخذ الوزير يتصبب عرقا، عندما سمع المقدمة وطرح عليه نزار السؤال الأول، ثم بعد نهاية اللقاء، أخبرني أنه كاد أن ينسحب من الحوار لولا أنه كان على الهواء مباشرة..وبالنسبة لي، فقد تحسن دخلي كثيرا بعد الأعوام 2007، واشتريت لكل فرد في الأسرة جوالا، وكنت أدفع شهريا ما يقارب الـ 15 ألف ليرة ثمن فواتير، ناهيك عن تغيير موديل الجوال بين الفترة والأخرى، وهو حال أغلب أفراد الشعب السوري في ذلك الوقت، الذين أصبحوا يبحثون عن أعمال إضافية، لتغطية نفقات الجوال وتشغيله فقط.

لذلك بحلول العام 2011، ومع انطلاق أحداث الثورة السورية، كان إسقاط رامي مخلوف مطلبا متقدما على إسقاط بشار الأسد ذاته..فلو أن النظام وعى هذا الأمر وبمنتهى الجدية، لكان الكثير من أسباب الثورة قد زال، أما ما حصل، أن النظام أخرج رامي مخلوف في "همروجة" أنه تنازل عن جميع شركاته وأعمال التجارية لصالح الأعمال الخيرية..والتي اتضح لاحقا أن هذه الأعمال ليست إلا تمويل قتل الشعب السوري..فنعم الأعمال الخيرية يا أخي.. !

*من كتاب زمان الوصل
(41)    هل أعجبتك المقالة (22)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي