أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

قراءة لشعر نزار قبّاني في ذكراه... ماهر شرف الدين*

تمرُّد نزار قبَّاني كان تمرُّداً على الرسميّ وليس على الشعبيّ

حتَّى نفهم جانباً مهمَّاً من الشخصية الشعرية لأشهر شاعر عربي معاصر، نزار قبَّاني، علينا الانتباه إلى المفارقة المهمَّة الآتية:
إنَّ الأشياء التي عادةً ما تكون موضع دفاع وتعاطُف في قصائد نزار قبَّاني الاجتماعية والعاطفية (المومس، الزانية...)، تتحوَّل بسهولةٍ بالغةٍ إلى شتيمة وازدراء في قصائده السياسية.

تُتيح لنا هذه المفارقة القبض على مفتاحٍ سحريٍّ ربَّما يصلح لفتح الكثير من الأبواب النزاريَّة الموصدة. فقد أذهلت الشهرةُ التي تمتَّع بها هذا الشاعر جميعَ نقَّاده الذين وجدوا أنفسهم أمام عبارة بسيطة جداً وصورة بسيطة جداً وبلاغة بسيطة جداً، وحاروا في "تبرير" شعبيته الجارفة وتفوُّقه الساطع على من يعتبرونهم أكثر موهبةً منه وأعمق ثقافةً.

تقريباً، يمكن القول بأنَّ تمرُّد نزار قبَّاني كان تمرُّداً على الرسميّ وليس على الشعبيّ؛ على الإطار وليس على الصورة. كان تمرُّداً مرغوباً فيه من الجيل الذي ينتمي إليه، ومزلزلاً للجيل الذي سبقه.

فالتدقيق في ظروف القصيدتَيْن الأبرز في تمرُّد نزار قبَّاني: "خبز وحشيش وقمر" (قصيدة التمرُّد الاجتماعي)، و"هوامش على دفتر النكسة" (قصيدة التمرُّد السياسي)، سيكشف لنا بأنَّ هذا التمرُّد كان في الأصل تعبيراً عن أفكارٍ ذات شعبية متصاعدة.

فكلُّ من عاش أو قرأ عن فترة خمسينيات القرن الماضي التي نشر فيها نزار قبَّاني "خبز وحشيش وقمر" يعرف بأنَّ التذمُّر الشعبي الكبير من التقاليد الاجتماعية الممزوجة بهالةٍ دينيةٍ كان السمة الأبرز لجيل ذلك الزمن. وأصلاً ما كان في وسع خالد العظم، وزير الخارجية السوري آنذاك، أن يقف بهذه القوَّة مع الشاعر (الموظَّف في السلك الدبلوماسي) في وجه بعض النوَّاب الإسلاميين الذين أرادوا معاقبته بسبب القصيدة، لو لم يكن المزاجُ الشعبيُّ الشبابيُّ بالفعل مؤيِّداً، أو على الأقلّ غير مجروح بالطريقة التي تناول بها الشاعر بعض "المقدَّسات". بل إنَّ قبَّاني أصلاً ما كان له أن يحصل على مثل هذه الشهرة والانتشار والمبيعات لو لم يكن بالفعل مُعبِّراً جدِّياً عن مزاج جيلٍ متمرِّدٍ وصاعدٍ تُضايقه قيود التقاليد الاجتماعية والدينية.

والأمر ذاته في قصيدة "هوامش على دفتر النكسة"، حيث حاكى نزار قبَّاني مشاعر الغليان والغضب التي تعصف بملايين العرب إثر الهزيمة. وما استحضاره الهاجي لشيوخ النفط في أحد مقاطعها سوى دليل على حرصه الشديد على مجاراة هذا المزاج العام بعدم ترك جمال عبد الناصر وحيداً في مسؤوليته عمَّا حصل (بعد نشر القصيدة المذكورة أرسل نزار قبَّاني، مع الكاتب أحمد بهاء الدين، رسالةً إلى عبد الناصر حاول فيها استعطافه لرفع الحظر عن مجيئه إلى مصر ولإيقاف الحملة التي شنَّها عليه بعض الصحافيين المصريين، حيث يؤكِّد له بأنَّه لم يعنِهِ في قصيدته وبأنَّه بقي فيها متفيّئاً بظلاله: "إنّي لم أتجاوز في قصيدتي أفكاركَ في النقد الذاتي يوم وقفتَ بعد النكسة تكشف بشرفٍ وأمانةٍ حساب المعركة"، إلى أن يختم رسالته بالقول: "يا سيّدي الرئيس، لا أُصدِّق أن يحدث هذا في عصرك" - تاريخ الرسالة: 30 تشرين الأوَّل 1967).

وإلى المعركتَيْن السابقتَيْن، يمكننا إضافة معركة شهيرة ثالثة خاضها نزار قبَّاني على إثر نشره قصيدة "المهرولون" التي هاجم فيها "اتفاقيات أوسلو"، وانتصر فيها الشاعر - شعبياً - كالعادة، ليس لأنَّه غيَّرَ المزاج العام وتمرَّد عليه، بل لأنَّه، على العكس من ذلك، واكبَه وعبَّر عنه بصوتٍ عالٍ... إلى درجة أنَّ شخصيةً دينيةً متشدّدةً، مثل الشيخ يوسف القرضاوي، دخلتِ المعركة مؤيّدةً نزار قبَّاني! بل إنَّ القرضاوي، وفي خضمّ حماسته للقصيدة المذكورة، قام بكيل المديح لكلّ شعر نزار قباني السياسيّ: "إنَّ شعر نزار السياسي محلّ تقدير وإعجاب، لأنَّ من واجب الشاعر أن يحافظ على إيقاد جذوة شعور الأُمَّة في رفضها الخنوع وأن يستثير همَّتها في الدفاع عن مقدَّساتها وترابها ووجودها" (الاقتباس منقول عن "وكالة الأهرام للصحافة").

في هذه الناحية يلتقي نزار قبَّاني بالمتنبّي. يلتقي أشهر شاعر عربي حديث بأشهر شاعر عربي قديم. فكلاهما رَسَخا في الوعي الشعبي الثقافي كمتمرِّدَيْن، لكنَّهما في حقيقة الأمر كانا مُعبِّرَيْن عن المزاج الشعبي، ولم يكن تمرُّدهما معنياً بالتعريف الفكري للتمرُّد على الجماعة، لأنّهما أصلاً كانا صوت الجماعة. وعلينا أخذ هذه النقطة بعين الاعتبار لدى أيّ محاولة نقوم بها لفهم شعبية الشاعر العربي. وهنا لا بدَّ من التأكيد بأنَّ كلامي هذا لا يأتي في سياق الإدانة، بقدر ما يأتي في سياق التوصيف ومحاولة الفهم فحسب. لأنَّ لكلّ شاعر شخصيته وحرِّيته التامَّة في التعاطي مع القضايا العامَّة كما يريد. ناهيكَ عن أنَّ هذين الشاعرَيْن كانا، عن حقٍّ، من أكثر الشعراء موهبةً في عصرَيْهما.

إلى اليوم، لا ينفكُّ سحر نزار قبَّاني يتجدَّد مع كلِّ جيلٍ جديدٍ، ولا تتوقَّف الأسطورة الشخصية لهذا الشاعر عن إضفاء المزيد من العمق على هذا السحر. إلى اليوم، لا يعرف شعراء الوزن كيف يصفون سحر الموسيقى في شعره، مثلما لا يعرف شعراء النثر كيف يصفون سحر اللغة في نثره.

لقد كان نزار قبَّاني لحظةَ نشوةٍ عارمةٍ في جسد الشعر العربي. ارتعاشة ضربتْ أوصاله، وعرفتْ كيف تُعبِّر عن شخصية هذا الجسد، في السرير وفي الجبهة، وعلى السواء.

*شاعر وكاتب سوري
(79)    هل أعجبتك المقالة (36)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي