أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

القريَّا.. عن الفَزعة والموت والحياة*

القريَّا بلدةٌ جنوب السويداء، على تخومِ الجبل، ومشارف السهل، جميلةٌ عليلة، ليبرالية المزاج: تفخر بكلِ فردٍ فيها ويفخر بها، غسَّانية الأصل، تُمطر غيومها رائحة الأطفال، هي والحب توأمان لا تنجح الجراحة في فصلِهما. يكاد ما بقي فيها من أوابد يرقص فرحًا، أو يتراقص إهمالًا، ولكن بالنسبة لأَهلِيهَا يبقى الرقص واحدًا: تمايلٌ مع الأشجار على نغمٍ جميل..

في القريَّا "غُوليّةٌ" أسطوريةٌ تعيش في مدخلها الشمالي، وشكَّلت هذه "الغُوليَّة" مادة القريَّا الدرامية، والكثير من روايات الجدات، ومفاخر الرجولة في النوم في كروم العنب، والتين، على حجرٍ أسودَ بازلتي، يُشبه لون القنطرة في المضافات التي لا تُقفل أبوابُها. وفيها "حُزحُز": وهي منطقةٌ لأشجار السرو والصنوبر، وفيها ثلاثة وديانٍ و"الكلتة" و"الغدير"، وليست هذه معالم أرضٍ من حجارةٍ وماء، بل هي مادةٌ معنويَّةٌ تَدَرَّبَت لِتَعيشَ في شغافِ الطفولة كما تعيشُ الأوطانُ في المنافي، وكما يُعشعِشُ التاريخُ في السرديات.

تَعْلَمُ القريَّا، أن غُصن الكرامة قد أينع في جذرها ومنبتها، وأن أبناءها سيغيبون عنها، وسيطيلون الغياب، فيمَّم قَلبُهَا شطرَ الغرب، وعقلها يرقب سيارات الأمن.

مكلومةٌ في وطنٍ حزين، نعت القريَّا في يوم الجمعة الماضي خمسةَ عشرَ شابًا: خمسةَ عشر شهيدًا للفزعة. وشيعتهم بحرقة القلوب الحزينة، وبأسئلةٍ تصل إلى السماء: ليش رحت وتركتني وأنا بحبك يا بيي؟ كيف حياتي من بعدك يا ميمتي؟ يا ابني ليش كسرت ظهري؟ مين سندي من بعدك يا خيي؟... ولا أحد يجيب على الأسئلة..

في طفولتي، كانت الفَزعة في القريَّا لقطف الكروم، وإن غلَّت الأرض تكون للحصاد وفي البيادر؛ وكانت أيضًا لـ"صَبَّة" سطحٍ قامت عواميده قبله بخمس سنين، وتم توفير تكلفته بعد خمسينٍ قَرضا ورهنا، وبعد عشرين عملا إضافيا وبيع ذهب الزوجة.

كانت الفَزعةُ تساعد الناسَ الطيبين على حب الحياة أكثر، وعلى تحقيق مقوماتها البسيطة التي جعلها الطاغيةُ أحلامًا: حصاد الموسم وبيعه، نوم زوجين تحت سقفٍ لا "يدّلِف"، وهكذا.. على الرغم من كل هذا، كان لهذه الفَزعة جَمالًا بسيطًا، لأنها تكافل، ومحبة، وتعبيرٌ عن التضامن الفطري، ووحدة الحال؛ وكان لها وقعٌ في النفس رَنَّان، وفي القلب كانت أغاني، وموسيقا، على أنغامها يعمل الجميع متحابين. كانت فرحًا والتصاقًا بالحياة وشكلًا للثورة من رحم المستحيل. كانت التفاصيل الصغيرة هي عنوان الفَزعة، فالذي يعرف تعب الحصاد، و"البرغش"، والشوك، وآلام الظهر، يفزع، والذي لا سقف يؤويه يفزع، والذي فزع إليه أحدهم يعرف معنى التعاون فيفزع.

وهذه هي الفَزعة: تفاصيل إنسانية صغيرة مُهمّة تُحرِّك البشر، فتدفعهم إلى القيام بعملٍ نبيل يَصُبُّ في التضامن وفي بناء الثقة الاجتماعية، فعلٌ إنساني فضاؤه الحُب المُعمَّم.

بهذا الفهم الفطري الشهم الذي يقوم على النخوة، كان يتعامل أهل القريَّا مع الفَزعة. وكما يفعل كلُّ الطيبين، يلبون النداء، فيلتصق هذا الفعل بالرجولة والنخوة والشهامة والكرامة، ويلتصق بحب الحياة.

لم يتغير الناس الطيبون اليوم في تلبية الفَزعة، ولكن بعد كل العمل المُمنهج، ومجمل العمليات الخبيثة التي قامت بها الآلة الأمنية العسكرية في السنوات الأخيرة، أصبحت الفَزعةُ اليوم بدلةً مُموَّهة، وبندقية، ودمعةَ أمٍ لا تتوقف، وعددًا كبيرًا من الأكفانٍ المخفيَّة.

وصار كلُ الباقي "تفاصيل صغيرة": عزابًا أو آباء، كبارًا أو صغار، يعيلُون عوائلَهم أو أحداثٌ يُعَالُون، مع من، ومن أجل من، وكيف، وأين، يَقتُلُون أو يُقتَلُون، إلى ما هنالك من تفاصيلٍ إنسانية؛ فقدت قيمتها عندما ضاع الإنسان.

من يسَّاقط من شجرته الزهر يجوع إلى المعنى يا شباب: معنى الفَزعة ليعود، ومعنى الوطن لنعيش، والفرقعة لتعود إلى العيد، والجوفيات إلى الأعراس، والخوف إلى "الغُوليَّة"، ومعانٍ كثيرة تَكبر في النفس، فلا تُقال لأهلوكم من بَعدكم، ولا يدركها جميع الآتين غدًا في ثوب البطولة، والذين ينتظرون تاريخًا آخر ليهزموه وليلقنوه درس الطفولة. ولو تستطيع القريَّا أن تلهو بالزمان مثلما كانت تلهو بالشِعر لفعلت.. ولكن لا يلهو أحدٌ في الأزمنة إلا عندما تصبح غابرة، وهذا الموت مُعاصر.

موتكم يا شباب، ودموع أمهاتكم وزوجاتكم وأولادكم ومن تحبون، هي الحقيقة اليوم. لا الفزعات، ولا الأحزاب، ولا الطوائف، ولا الأنظمة، ولا الدول، بأهم من حياتكم، وبأثمن من صراخ أطفالكم ونحيب أمهاتكم، رحمكم الله.

آن لهذا الخوف أن يعود إلى "الغُوليَّة"، وإلى صناعة التشويق في حكايات "الرَسَدَة" في ليلِ الثلج الطويل. آن له أن يعود مثلما يجب أن يكون: بسيطٌ يبدده نومٌ جميلٌ على "صَلْخٍ" بين المَمْلُوكِ والفَروَة..

القريّا، كما كلُّ قرية، تظل سورية صغيرة.

الرحمة للجميع، وسلامٌ على القريَّا من سلامٍ على سورية من دون همجٍ، ومن دون مجرمين.

*مضر الدبس - نائب الرئيس التنفيذي لحزب الجمهورية- مشاركة لــ"زمان الوصل"
(75)    هل أعجبتك المقالة (82)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي