أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثورة نجحت.. وهذا نموذج أبناء الوطن والدولة قبل 2011*

حمص عام 2012 - شبكة شام

ليس جدالا في 15 و18 آذار، فهذا أمر لا يغير في الأثر الفعلي للثورة السورية، والكثير من الناس يعتقدون أن الثورة الفرنسية قامت يوم 14 تموز – يوليو 1789 بسقوط سجن الباستيل، إلا أن الأمر بدأ قبل ذلك حيث ظهرت تجلياته في أيار – مايو حيث انعقد مؤتمر الجمعية على خلفية سيطرة رجال الدين والطبقة الأرستقراطية على الحياة العامة وسحقها فئة العمال والفلاحين.

كذلك الأمر في سوريا مع اختلاف الجهات المسيطرة في تحالف بين المال والسلطة من العسكر والقادة الحزبيين من جهة، والعائلة الحاكمة ممثلة بآل الأسد – شاليش – مخلوف، وأذيالهم من عائلات سطت على المال العام.

لقد وصلت سوريا عام 2011 إلى مصافّ الدول الفاشلة اقتصاديا مع استثمارات متهاوية نتيجة سطو المنتفعين والمتنفذين على أموال المستثمرين والمال العام، فتخيل أن شخصا مثل نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ووزير اقتصاد قادم من المؤسسة الحزبية يتحدث عن نموذج "حاكورة" الكوسا لوالدته ليدافع عن خطة اقتصادية لدولة تزحف نحو الانهيار مع موسم جفاف دمّر سلة الغذاء السورية في جزيرة الفرات دون خطة لمواجهة هذه الكارثة، فيما يتندر السوريون بالنكتة التي تقول إن رامي مخلوف لا يطمح إلا بامتلاك شقتين واحد في حلب وأخرى في دمشق ثم يفتح الشقتين على بعضهما البعض.

سأعود لنقاش واقع السوريين قبل الثورة من الوسط والقاع، ففي الأيام الأولى لاندلاع الثورة ظهرت كتلة متصلّبة تتكون من مجموعة الموظفين الصغار والمتوسطين القادمين من الساحل وريف المنطقة الوسطى، وخلف هذه الكتلة كتلة أخرى من نفس المستوى الوظيفي لكنها أقل صلابة وتنتمي إلى بيئات مختلفة معظمها من الأقليات الخائفة، أو التي جرى تخويفها أو من المرعوبين من العوز من أبناء المناطق كافّة.

استطاعت المؤسسة الأمنية والبعثية أن تدمج الكتلتين مع تنافر في الأهداف بينهما، فكان مستغرباً أن يساق ابن السويداء المدني العامل في قطاع الإعلام في دمشق إلى أبواب المساجد ليضرب المتظاهرين يوم الجمعة بعصى الحزب والجوع والتخويف التي باتت غليظة بشكل مرعب.

بعد ثلاثة أيام من سقوط أول شهيدين في الثورة في مدينة درعا، وكنت عائدا حينها من هناك، جرى حوار كضرب السكاكين بيني وبين صحفية قادمة بيئة موالية من حمص، سمعتها تصرخ بأنه يجب قتل هؤلاء الخونة كبارا وصغارا، قلت لها دعونا نخرج من خطاب الدّم، فقتل أطفال درعا لن يجرّني إلى الدفاع عن فكرة أطفالك، هل تحبينهم سألتها، وتابعت: أطفال درعا عندهم أمهات مثلك، والدم يستسقي الدّم.
لا أعلم من كان يملأ رأس هؤلاء بنظريات أن ذبح البيئات المتظاهرة والخارجة على النظام يجنّبهم الموت، وكيف يمكن لشخص آخر من منطقة قريبة من هذه السيدة أن يقول أمامي: سنعلق أبناء درعا من "خُصاهم"، كان فرزاً مستبدّاً ومرعباً، سنزرعها "بطاطا"، إرهابيون، عملاء إسرائيل، مندسّون، قطر، بندر، واتسعت قاعدة المظاهرات،

وانداحت أصوات الحرية من الحدود إلى الحدود، كلّ ذلك دون جدوى.

لقد كان التصاعد طردياً بين شهوة القتل لدى طرف النظام وبين الرغبة بالحرية والانعتاق لدى الشارع، وكانت كتلة العصا الغليظة تبدّل أدواتها إلى بنادق، حتى المؤسسات الإعلامية حمل صحفيون فيها البنادق الرشاشة لإخافة زملائهم في الدّاخل، وتحت حجّة استهداف محتمل لتلك المؤسسات.

لم يكتشف السّوريون أن هناك من يجرّهم إلى مذاهب وأقليات وطوائف، فقد أعادهم القتل إلى حواضن رديئة، علويين وسنة ودروزا ومسيحيين وأكرادا وشراكس وأرمن، وجرى الحفر تحت كلّ القوى والفصائل التي قررت المواجهة، وجرت تقوية تلك التابعة لتيارات دينية وإضعاف القوى الوطنية بعد أن تمت تصفية طلائع الثورة السلمية الشّابة، وتهجير من بقي من ناشطيها إلى الخارج أو إلى مناطق نزوح لتنميطهم بناء على الطابع الثقافي والديني الغالب لتلك المناطق كما هو الحال في إدلب.

في مواجهة الشعب رأى النظام أن بإمكانه استخدام ميليشيا طائفية، ومرتزقة، وأدخل الإيرانيين إلى غرفة نومه فيما وضع الروس في المطبخ، وهكذا أصبحت البلاد نهباً لكل طامع.

نجحت الثورة في ألف مكان، نجحت لأنها حطّمت صورة الديكتاتور الكاذبة، نجحت لأنها رسّخت شعار "إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد"، نجحت لأنها كشفت المستور في نفوس الناس ومعتقداتهم، نجحت لأنها أبطلت أكاذيب وشعارات خمسين عاماً حول الوحدة والحرية والاشتراكية وإسرائيل والجولان.

لم تنجح ثورة كما فعلت ثورة السوريين، وإذا كانت الحجة بالهزيمة هي الاحتلال وبقاء الأسد، فقد سبق وأن احتلت اليابان الصين، واحتلّ هتلر أوروبا بغربها وشرقها، ثم عادت الشعوب لبناء بلادها واقتصادها، وإذا كان لا بدّ من هذا الاحتلال فليحصل حتى يتمكن السّوريون من إثبات قدرتهم على التحرير.

لم تشهد الثورة الفرنسية تبدلاتها الحقيقة سوى بعد 10 سنوات، واستمرت إرهاصاتها نحو 170 عاماً حتى أنتجت جمهوريتها العظيمة.

ليست مهمة الثورة البناء من اللحظة الأولى، حتى ولو حول الأوغاد مسارها، وحتى لو حاول اختطافها أمراء الدّين والحرب، الثورة فعل هدم، نجحت الثورة في هدم وإسقاط التمثال الذي كان يحتلّ ساحاتنا ومداخل قرانا ومدننا.

ليس ثمة ثورة على قياس "مغسّل وكفلان الجنة" ولو كان كذلك لما ظهر في فرنسا "روبسبير" في مرحلة الثورة الأولى والجنرال "بيتان" في مرحلتها المتأخرة.

*علي عيد - من كتاب "زمان الوصل"
(24)    هل أعجبتك المقالة (27)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي