أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أبي الذي خانني مرتين..*

لازلت تقف على أطلال مضافتنا التي دمرتها طائرات الأسد وبراميله - أرشيف

أربعون عاماً مرّت يا أبي، لم تسألني فيها يوماً ماذا أتمنى، ما أذكره منذ طفولتي يا أبي عشقك -بل- هوسك وتمجيدك للصور، كان عمري 6 سنوات حينما تفتحت عيناي لأول مرة على صورة ذلك الرجل الأنيق الذي غزا الشيب مساحة من سالفيه، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها رجلاً بربطة عنق وبدلة رسمية علمت فيما بعد بأنه "الزعيم جمال عبد الناصر" كما كنت تحبُ أن تسميه يا أبي، بدا أن شغفك بتلك الصورة ذات الإطار الخشبي الفاخر لا يوازيه شغفٌ وأنت تعلقها في الصدر من غرفتنا الطينية المتواضعة وتمسح عنها الغبار عند كل مواجهة بينك وبينها.

حاولت لأكثر من مرة أن أستدرجك لتبوح بماهية تلك العاطفة التي تشدك نحو صاحب تلك الصورة، أو أن أسرقَ من على شفتيك معنى كلمة "زعيم" التي دوّت على مسمعي كصاعقة، لكن محاولاتي جميعُها باءت بالفشل تحت وطأة ذلك "الرهاب" من السؤال والمواجهة الذي يبدو أنه تملكني مذ تفتحت عيناي على هيبتك وقسوتك المغلفة بالحزم والصمت سمعتك مرة تقول "لسمارك" في أحد ليالي كانون عام 1985: "البعثيون ليسوا أهلاً للثقة"، ورحتَ تكيل لهم صفات الخداع والمكر والكذب والخيانة كنت تكرههم يا أبي وعلمت مع مرور الأيام أنهم كانوا يبادلوك ذات الضغينة والكراهية.. بسبب صورة ذلك الزعيم المصري المتصدرة حائط مضافتنا.

في ثمانينيات القرن المنصرم كان البعثيون في سوريا مصابين بورم سياسي ظاهر، بعد أن تربعوا على سدة الحكم في سوريا عام 1970، راودوك عن نفسك غير مرة لتنتسب إلى صفوفهم، وأن تخلع عنك تلك "العباءة الناصرية" البالية كما كانوا يصفونها، بل وأغروك يومها أن ترشح نفسك للانتخابات الحزبية عن منطقة "القصير"، لكنك رفضت ربما كنتَ لازلتَ حينها تحت تأثير نشوة الفرحة بالوحدة بين سوريا ومصر التي عاصرتَها عندماكنتَ شاباً عام 1958، أو ربما لازلت مفتوناً برؤيتك لذلك الشاب المصري الأسمر عندما زار قصر المحافظة في حمص عام 1960 بمناسبة عيد الوحدة السورية المصرية.

مرت السنوات يا أبي، وتمكن البعثيون من ابنك، وحولوني مع كل أبناء جيلي إلى "رفاقٍ بعثيين" في حزبهم "القائد للدولة والمجتمع حزب البعث العربي الإشتراكي.

مجزرةُ حماة عام 1982 كانت حاضرةً بين تنهداتك المتتالية وأنت ترمقني بنظرات الاتهام والشك على الدوام أوشكتَ أن توجه لي تهمةّ الخيانة العظمى لانتسابي لحزب كنت ترى فيه قاتلاً دائماً لأحلامك، مرةً عندما قضى على فرحتك بالوحدة وخططَ للانفصال المصري السوري عام 1961، وإعلان قيام الجمهورية العربية السورية ومرة لارتكابه أفظعَ مجازره في مدينة حماة في شُباط/فبراير من عام 1982، حينما أطبقت القوات البرية السورية و"سرايا الدفاع" على المدينة بناءً على أوامر "الرئيس المناضل" يومها "حافظ الأسد" ما بين عشقك الناصري وحقدك على حزب البعث..كبرنا وضاع العمر يا أبي.. فلا "ناصريتَك" أشبعتنا "الخبزَ" كغيرنا من أبناء بلدنا، ولا "بعثيتي" التي أرغموني عليها مكنتني أن أشتري لك نظارةً طبيةً بعدما ضعف بصرك وساءت صحتك.

في 20 آذار/ مارس عام 2003 بدأ "التحالف الدولي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية حربه على العراق في غزو تسبب بأكبر خسائر بشرية في المدنيين العراقيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأمريكي منذ عدة عقود، كنتَ "صداميا" للعظم حينها يا أبي، وصار لزاما علينا أن نراك تمسح الغبار عن صورة الرئيس العراقي صدام حسين بنفس الحفاوة واللهفة التي كنت تمسح فيها الغبار عن صورة جمال عبد الناصر.

حربُ تموز 2006 أعادت إليك بصيصا من الأمل الذي كادت تأكله السنون، وجعلت إحسَاسَك بالعروبة يبرعم في قلبك من جديد، وأعادت إليك عشقَكّ وهوسَك وتمجيدَك للصور، كان عمري 32 عاما حين وقعت عيناي لأول مرة على صورة ذلك الرجل الملتحي المعمم وهي تحتل مكان صورة "جمال عبد الناصر" و"صدام حسين"، علمت فيما بعد بأنه "القائد المقاوم" حسن نصرلله كما كنت تحب أن تسميه يا أبي، وأذكر حين سألتك عن معنى كلمة "مقاوم" أجبتني بكل حزم وثقة " لأنه يقاتل إسرائيل" من داخل غرفتنا الطينة التي حولتها إلى معرض لصور الزعماء والقادة والمقاومين كما كنت تسميهم صرخت حنجرتي "حرية" يا أبي صرخت كما صرخ جميع أبناء شعبي على امتداد الجغرافيا السورية في آذار - مارس 2011 لم تحرك صرختي فيك شيئا، ولم تهتز تلك الصور التي سخرت لها جزءاً كبيرا من عمرك وأنت تمسح عنها الغبار، لم نلتقِ أي تيار سياسي يجمعنا ففي اللحظة التي انتفضنا فيها على من كنت تسميهم الخونة "أقصد البعثيين" وقفت أمامي لتعلن أنك ضدنا، مبررا موقفك الرافض لثورتنا حينها بخوفك من "العواقب الجهنمية" التي ستنهال على رؤوسنا من "الولد الوريث" وترسانته العسكرية.

لم تتحمس لصرخاتي، ولم أقتنع بمبرراتك، تسع سنوات، مرت يا أبي، من الدم والقتل والدمار والتهجير، وأنا لازلت أصرخ حرية من داخل خيمتي على الحدود اللبنانية تسع سنوات مضت، وأنت لازلت تقف على أطلال مضافتنا التي دمرتها طائرات نظام الأسد وبراميله لتمسح الغبار عن صور لقادة وزعماء ومقاومين احتلوا ذاكرتك واستوطنوها على مدى سبعين عاماً مرت من حياتك، لم تحسن في "تربيتك لي" يا أبي أربعون عاما مرت .. لم تسألني فيها يوما يوماً ماذا أتمنى؟! أذكر يا أبي أن أصحاب "صور مضافتك" قد جعلوا من الخبز اشتهاء ومن مناديل الحمام ترفيهاً ومن التعبير عن الرأي أمنية أذكر تلك "الأشلاء" التي تطايرت من أجساد أطفال قريتنا لترسم على جدران المدرسة "صورة لموت" لا تتسع لوحشيته كل جدران مضافتك..

آه يا والدي التسعيني العجوز اليوم أدرك من هي "إسرائيل" التي أغراك أبطال صورك بمقاومتها على مدى تلك العقود "إسرائليهم" الحقيقة هي أنا وأنت يا أبي، هي ابن درعا وإدلب والزبداني والغوطة وباباعمرو والخالدية، هي رسومات علي فرزات وخواطر طل الملوحي وأنغام سميح شقير وصيحات إبراهيم القاشوش وأمنيات مي سكاف.

ليس لدماء الراحلين من أبناء شعبي صور يحتفى بها .. أو يمسح عنها الغبار يا أبي، وربما ليس لأجسادهم قبور فأبطال صورك لا يحبذون رؤية الخارجين عن القانون والطاعة والولاء، كانت السياسة بالنسبة إليك صورا وديكورات وأيقونات لقادة تزين بها الجدران، وكانت السياسة بالنسبة إلي هي إسقاط تلك الصور، وتحطيم براويزها ودفنها تحت التراب فلا مجد إلا "للحرية"

آآآآه يا والدي التسعيني العجوز لقد خنتني مرتين لماذا…؟!!!!!

*عبد الحفيظ الحولاني - زمان الوصل
(50)    هل أعجبتك المقالة (60)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي