أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التحوُّل الأخطر... ماهر شرف الدين*

بقوَّة التوحُّش حوَّل النظام معركة الحقوق إلى معركة البقاء - الصورة حمص 2014

من معركةٍ للإصلاح السياسي والحرّيات العامَّة، إلى معركةٍ لإسقاط نظام الاستبداد برمَّته، وأخيراً إلى معركةٍ من أجل البقاء.

يعكس هذا التحوُّل الذي أصاب المعركة الطويلة والكبرى التي خاضها السوريون ضدَّ نظام الأسد، وحشيةً استثنائيةً بدَّلت من طبيعة الصراع وشكله وأهدافه. فهو ليس مجرَّد تحوُّل تدريجي فرضته تطوُّرات الأحداث، بل هو تحوُّل جذري تمَّ استيلاده استيلاداً، عبر ضخّ جرعاتٍ غير مسبوقة من التوحُّش.

فالانتقال من حالة طلب الحوار إلى حالة إشهار السلاح إلى حالة القتال حتى الموت، لا يمتلك ما يكفي من السلاسة لكي يتمّ بشكل تلقائي وطبيعي.

لقد فهم أركان النظام المسألةَ على الشكل الآتي: معركة الإصلاح السياسي مساويةٌ تماماً لمعركة إسقاط النظام، لجهة أنَّ هذا الإصلاح ليس مستحيلاً فحسب بسبب تركيبة النظام القائمة على العصب الطائفي (المغلَّف بقشرة "علمانية")، بل لأنه سيؤدّي إلى "بيريسترويكا" كاملة تقوم بتفكيك النظام من داخله.

كان النظام ينظر إلى المعركة، منذ البداية، كمعركةٍ من أجل البقاء. وقد أدرك بأنه لن ينجوَ ما لم يتكافأ طرفا المعادلة لتصبح هذه المعركة بالنسبة إلى السوريين، أيضاً، معركةً من أجل البقاء، وليس مجرَّد معركة من أجل الحقوق.

كانت نظرة الثوَّار الأوائل "رومنسيةً" إلى حدّ خطير. كان أقصى طموحهم إزاحة رموز الفساد عن كراسيهم وإصلاح ما تبقَّى من النظام. 

كان الأمل بالتغيير حقيقياً لديهم، خصوصاً وهم يتابعون ما يجري في بلدان أشقائهم من هروبِ رئيسٍ وخلعِ آخرَ، ووقوف بعض الجيوش العربية – ولو شكلياً – إلى جانب مطالب المنتفضين. ولم تتغيَّر هذه النظرة بشكل كلّي، ونهائي إلى غير رجعة، إلا بعد الألف الأوَّل من الشهداء. صار الثوَّار أكثر فهماً لطبيعة الاستعصاء باعتباره استعصاءً بنيوياً داخل النظام، لا يمكن حلحلته إلا بتدمير النظام ذاته.

في حين كانت نظرة النظام لأي تحرُّك حقوقيّ، ومنذ أيَّام تأسيسه الأولى على يد مؤسِّسه الفعليّ صلاح جديد ومؤسِّسه المنقلب حافظ الأسد، قائمةً على اعتباره تحرُّكاً وجودياً، والتعامل معه وفق نظرية "إمَّا نحنُ وإمَّا هم". هذه الـ"هُمْ" التي أُعيدت صياغتها في مطلع الثورة بعبارة "نحرق البلد".

الطاولة التي كان يتحلَّق حولها أركان النظام لحلّ الأزمة في البلاد، لم يكن عليها سوى خيار وحيد، هو خيار شمشون الذي قام بهدم المعبد على رأسه ورؤوس أعدائه (للمفارقة، تذكر الأساطير التي تحدَّثت عن شمشون بأنه قتل في يوم موته أكثر مما قتل طوال حياته!).

بالنسبة إليهم، كان تحويل معركة السوريين من أجل حقوقهم السياسية إلى معركةٍ من أجل بقائهم في أرضهم، هو الخيار الوحيد. كان الطريقة الوحيدة التي تسمح لنظامهم بإطالة عمره وخلق فرصةٍ – مهما كانت ضئيلةً - للنجاة.

وقد انطوى إنجاز هذا التحوُّل، الذي كان بالنسبة إليهم بمثابة إنجاز للحلّ، على كلّ مواصفات الجريمة التاريخية، لأنه لم يحصل في سياق طبيعي للأحداث، بل تمَّ تصنيعه بقوَّة التوحُّش، وبقوَّة المزيد من التوحُّش. 

*شاعر وكاتب سوري - من كتاب زمان الوصل
(35)    هل أعجبتك المقالة (33)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي