أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

شروط ورسائل اقليمية ودولية الى دمشق ... راغدة درغام

انتصار الجيش اللبناني على «فتح الإسلام» هو انتصار الدولة على الميليشيات وعلى الدويلة داخل الدولة. لقد حطّم الجيش اللبناني تلك «الحدود الحمر» التي نصبها الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، عندما وقف عملياً ضد الجيش الشرعي بمنعه أولاً من بسط سلطته في كامل الأراضي وحتى الحدود اللبنانية، وثانياً، عندما اعتبر عبوره «نهر البارد» للتصدي لإرهاب «فتح الإسلام» خطاً أحمر. فالذي يتجاوز الدولة والذي يحاول تكراراً تقزيم هذا الجيش بذريعة «المقاومة» هو «حزب الله» ورفاقه في الولاء لسورية وإيران. وعليه، لا يحق لهؤلاء الشركاء والرفاق «تقاسم» الانتصار كما يجرؤ بعضهم. وزير الدفاع اللبناني، الياس المر، أحسن الفعل بتوجيه الشكر لمن وجهه إليه وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية والدول الغربية التي دعمت وتدعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. فلمن كان عليه أن يتوجه بالشكر؟ للذين تبنوا استراتيجية استخدام لبنان وتسخيره لغاياتهم ومصالحهم؟ واقع الأمر أن الذي يستحق جزيل الشكر هو هذا الجيش الذي صفع الإرهاب في نهر البارد فأيقظ بصفعته العالم الى معادلة جديدة في الحرب على رعاة الإرهاب دول ومنظمات وميليشيات. من يستحق الامتنان أيضاً هو رئيس الحكومة اللبنانية، فؤاد السنيورة، والوزراء في حكومته وكل من يقف بجانبه وبجانب الدولة من نوّاب ودول وقرارات دولية. فما يحدث في لبنان فريد حقاً إذ تتلاقى فيه الشرعية الدولية والشرعية المحلية لإسقاط الميليشيات وإرهابها ولرفع علم الجيش والدولة وانتصاراتهما الماضية والآتية.

ما يحدث في لبنان هو تلك المسيرة النادرة في المنطقة العربية نحو المحاسبة والشفافية في اتجاه إنهاء أنماط التملص من العقاب والاستحقاق. فالمحكمة الدولية التي انشأها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من الميثاق انطلقت ولن توقفها اغتيالات سياسية أخرى أو شحنة أخرى من المتطوعين للإرهاب. فالقطار قد غادر المحطة، والمحكمة الدولية لن تقع سلعة في مقايضات أو ذخيرة في صفقات ترحم المتورطين في التجاوزات الاجرامية والإرهابية من المثول أمام العدالة.
أمام الأطراف اللبنانية المعارضة للدولة وللحكومة اللبنانية خيار واحد فقط، إذا أرادت اثبات الولاء للبنان وجيشه وإذا شاءت أن تكون طرفاً في منع تحويله الى ساحة لحروب الإرهاب. أمامها خيار الاعتراف بالجيش اللبناني وسلطته وحده على كامل البلاد واتخاذ قرار الانضمام اليه بالمبادرة الى تفكيك الميليشيات اللبنانية. والتخلي عن السلاح طوعاً وتقديمه الى الجيش اللبناني.

 هكذا وبكل بساطة يثبت «حزب الله» الذي يملك أكبر وأقوى الميليشيات أنه مع الجيش ومع الدولة.

هكذا، وبكل بساطة، في وسع السيد حسن نصرالله أن يتخذ قرار السلم للبنان بدلاً من اصراره على امتلاك قرار الحرب على لبنان. فإذا فعل ذلك تزول الدويلة داخل الدولة بقرار منه ويصبح، بقرار منه أيضاً، طرفاً فاعلاً في الدولة والحكومة ويلقى الترحيب والشكر الجزيل من كامل الشعب اللبناني ومن الأسرة الدولية.

فالمشكلة الحقيقية الأساسية والجذرية في المسألة اللبنانية تكمن في اصرار «حزب الله» على الاحتفاظ بميليشياته وتلقي سلاحه من دول أخرى بهدف تقويض الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. هكذا هي المعادلة، بكل بساطة.

ذريعة «المقاومة» مزارع شبعا التي تحتلها اسرائيل. فإذا اثبت تحديد الحدود ان هذه المزارع سورية، يصبح تحريرها مسؤولية سورية وليست مسؤولية مقاومة لبنانية أما إذا أثبت الترسيم ان المزارع لبنانية، فمسؤولية تحريرها من اسرائيل تكون مسؤولية الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني وليست مسؤولية الميليشيات اللبنانية أو الفلسطينية أو ميليشيات «القاعدة» والمتطوعين العرب والمسلمين لمقاومة في غير موقعها. تلك المقاومة التي يرفعون شعارها لها عنوان واضح تماماً وهو الجبهة السورية - الاسرائيلية.

الحكومة السورية لا تريد الشراكة في المقاومة. فهي تروج لها في الساحتين اللبنانية والفلسطينية حصراً. فمنطقها يقوم على ما تسميه «منطق المقاومة في وجه منطق التفاوض»، عبر تعطيل دائم ومستمر لسلام فلسطيني - اسرائيلي أو سلام لبناني - اسرائيلي، وهي سياسة ملائمة للطرفين السوري والاسرائيلي معاً.

ما يريده النظام السوري في دمشق هو استئناف ما سماه بترابط وبتزامن المسارات في المفاوضات، لا سيما المسارين اللبناني والسوري، عندما تحكم ذلك النظام بلبنان.

لذلك يرفض القرارات الدولية المعنية بلبنان. فالقرار 425 فرض على اسرائيل إنهاء احتلالها للجنوب اللبناني، وها هو طُبِّق بعودة الجيش الى الجنوب وبانتصاره على «فتح الإسلام» في نهر البارد ليثبت أنه قادر على القيام بمهماته. والقرار 1559 ما زال قراراً حياً بمفرده وكذلك في بطن القرار
1701 الذي تضمن جميع القرارات المعنية بلبنان. ثم هناك القرار 1595 وبعده القرار 1757 الذي انشأ مسار العدالة والمحاكمة على اغتيالات سياسية لشخصيات لبنانية في مقدمها رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ورفاقه في محكمة دولية لا سابقة لها في المنطقة العربية.

فلقد فشلت كل محاولات الإخضاع والتخويف، من اغتيالات الى اعتصام الى اقتحام مقر الحكومة في السراي، الى تهريب وتوظيف الإرهاب في نهر البارد لخلق إمارة اسلامية تسمح برفع شعار فشل لبنان في غياب النظام السوري عنه. لكن الجيش اللبناني اسقط ذلك الشعار.

الانتخابات الرئاسية الآتية هذا الشهر ستؤدي بدورها الى فشل آخر في سلسلة فشل محور قتل الدولة في لبنان. قد يكون في حوزة هذا المحور احتياطي من «خطوط حمر» واحتياطي من «توازن الرعب»، واحتياطي من ميليشيات مهماتها الأساسية الانتصار على الجيش والدولة. كل هذه الذخائر في الاحتياطي بأنواعه المختلفة ستثبت أنها ذخائر فارغة.

رئيس البرلمان اللبناني، نبيه بري، تحدث باسم المعارضة التي تضم «حزب الله» ورفاقه من أمثال الرئيس اميل لحود والعماد ميشال عون. وهو يحاول الآن تصحيح مواقفه بعدما تبين له أن الدستور اللبناني والقرارات الدولية قادرة على إلحاق الهزيمة به وتكتيكاته.

لذلك، قرر أخيراً اخراج المفتاح من جيبه لعقد جلسة للنواب للتصويت على اختيار رئيس للجمهورية، بشروط استبقائية، وحدد موعد 25 أيلول (سبتمبر) للتصويت.

تحديد موعد الجلسة لن يشفع لرئيس البرلمان اللبناني الذي بدأ خطابه بإدانة قرار دولي يحمل الرقم 1559 ينص على مبادئ أساسية للدولة هي خروج القوات الأجنبية من لبنان، وتفكيك الميليشيات، والمطالبة بإيقاف التدخل في الشؤون اللبنانية ومحاولات تعديل الدستور لاستيعاب طموحات الدول المجاورة. مجرد أن يدين رئيس مجلس النواب قراراً دولياً يحض على استقلال الدولة فإن ذلك سيشكل ادانة للذات تنسف محاولاته «انقاذ ماء وجهه» بإخراج مفاتيح البرلمان من جيبه أخيراً وإن كان فعل ذلك متحدثاً باسم المعارضة.

استراتيجية نبيه بري تصب في خانة الاستباق وليس في خانة الاتفاق ذي المعنى. فكل ما يفعله بري وأصحابه في اطار انتقاء رئيس الجمهورية هو بذل قصارى الجهد لفرض رئيس برنامجه الأساسي هو التملص من القرارات الدولية بل الارتداد عليها.

ما وراء قراره بالاستعجال الى إعلان عقد جلسة التصويت قبل عشرين يوماً من موعد اجراء التصويت الذي اختاره هو خطوة استباقية تفرض مبدأ الثلثين في الانتخابات في تجاوز للدستور وذلك بهدف الالغاء العملي والفعلي للأكثرية بحسب تعريف وتحديد الدستور.

كل هذا التذاكي يعبر في الواقع عن إقرار بأن يوم الكشف عن سوء تحالف المعارضة اللبنانية مع النظام السوري و «الحرس الثوري» في ايران على حساب لبنان هو يوم آت. فالمعادلات الدولية تفيد الآن بسوء هذا التقدير وسوء ذلك الحساب. فإيران في مأزق وسورية في مأزق. ايران في عزلة وسورية معزولة. الغضب الايراني شعبي عارم ضد الرئاسة وضد الملالي. والغضب السوري صامت ضد الوضع الراهن داخلياً واقليمياً.

الرسائل الأوروبية الى دمشق واضحة في تعريفها اطر العلاقة السورية - الأوروبية والقائمة على توقف النظام السوري عن تعريف بقائه من منطلق الذراع الممتد له بأبعد من الحدود السورية. الرسالة الاقليمية هي الترحيب بعودة سورية الى الحضن العربي شرط توقف حكومتها عن العمل ضد المصلحة العربية والانحناء امام المصلحة الايرانية بحكم استراتيجية التحالف المرحلي بين ظهران ودمشق. الرسالة الاميركية التي قد تفاجئ دمشق قد تأتي على النظام السوري بغير ما يشتهي وتشتهي اسرائيل معه، على رغم العلاقة الاميركية - الاسرائيلية الحميمة والعلاقة السورية - الاسرائيلية. فحوى تلك الرسالة هو أن لبنان لن يعود الى السيطرة والهيمنة السورية مهما حدث.

الاجماع الاقليمي إزاء الطموحات السورية في لبنان واضح، مع استثناءات طفيفة على نسق الاستثناء القطري. وكذلك الأمر إزاء الطموحات الايرانية. الفارق هو أن ايران تنظر الى مصالحها من منظور استراتيجي مذهبي مما يؤدي الى حديث من نوع آخر إزاء لبنان غير الحديث السوري المنطلق من حاجة النظام السوري الى استعادة هيمنته على لبنان. فاستحقاقات الخروج الفاضح عن شبه اجماع عربي، بانتماء واضح الى ايران وغاياتها في الهيمنة الاقليمية، تضع دمشق في قفص الاتهام بجدية. لذلك الجدل والخلاف العميق مع دول من وزن المملكة العربية السعودية. خلاف قد يخضع الى تعليق موقت رهن اثبات دمشق بعض حسن النية نحو لبنان، لكنه خلاف لن ينتهي نتيجة اجراءات مصالحة وصلح واصلاحات تجميلية.

فرنسا أيضاً تقدم عروض فك العزلة وفتح صفحة جديدة مع سورية، لكن شروطها واضحة تماماً وسهلة حقاً إذا اختارت دمشق اطلاق سراح لبنان. شروط باريس بحد ذاتها هي ان تطلق دمشق سراح لبنان وتكف عن قطع مسيرته الى الاستقلال الحقيقي عبر التدخل في انتخاباته الرئاسية وعبر العناد في ارتهانه في الصراع الاسرائيلي - العربي.

ليس لدى فرنسا أو أوروبا أو الولايات المتحدة أو الدول العربية المهتمة جداً بلبنان وفي مقدمها السعودية والامارات والأردن أي استعداد لبازار مقايضات مع دمشق في الشأن اللبناني. فالمطالب بديهية وهي ان تكف دمشق عن التدخل في لبنان. بعد ذلك، أي في أعقاب اثبات مثل هذه المعجزة في دمشق، يمكن الحديث عن مكافآت نوعية.

وحتى ذلك الحين، فإن التركيز الدولي والاقليمي يصب في خانتين مهمتين تحملان في طياتهما بذور فشل آخر للحلف اللبناني - الايراني - السوري العازم على إسقاط الدولة وتقديم الانتصار الى الميليشيات في حربها ضد الجيش اللبناني: خانة الاستعدادات الدولية لضمان انتخابات رئاسية طبقاً للدستور بلا تأخير أو مماطلة. وخانة السير قدماً بعزم وإصرار نحو انشاء المحكمة الدولية. فلترتفع وتيرة نبضات القلب ودقاته المخيفة عند جميع اولئك الخائفين من المحاسبة على التجاوزات كافة. 

 

 




 

الحياة اللندنية
(29)    هل أعجبتك المقالة (36)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي