أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

التصفية الفكرية للثورة.. ماهر شرف الدين*

ماهر شرف الدين | 2019-05-26 11:43:32
التصفية الفكرية للثورة.. ماهر شرف الدين*
   الكاتب: لقد تعرَّضت الثورة في سوريا إلى ما يشبه "التصفية" على المستوى الفكري - أرشيف
ماهر شرف الدين
  "مفاتيح"
*من كتاب "زمان الوصل"

عقيد ركن من جيش الأسد متورّط بجرائم إبادة، تمَّ إلقاء القبض عليه قبل أيَّام، وبدل أن يُسأل عن عدد جرائمه، تمَّ سؤاله عن عدد الركعات والصلوات!


بعد مليون شهيد، وبعد دمار الحواضر والمدن، وبعد تهجير أكثر من نصف سكَّان سوريا، يُحقَّق مع ضابط مأسور في دينه بدل أن يُحقَّق معه في جرائمه.


الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، لخَّص بأسذج الصيغ –ولكنْ أكثرها أمانةً- حالَ الخراب الذي وصلت إليه سوريا، في مرحلةٍ تكاد تصبح عبثيةً بعدما تمَّ تجريد سابقاتها من العناوين التقدُّمية التي تظلَّلت بها الثورة السورية في مرحلتها الأولى.


وفي اختزالٍ انتهازي وغير أخلاقي، لا يجدر أن يصدر عمَّن يدَّعون بأنهم أصحاب همّ ثوريّ، انتقد البعضُ الفيديو المنشور من باب أنه "يخدم صورة النظام"! أمَّا الذين انتقدوه بوصفه حالة نكوص ثوريّ، بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة، فقد تعرَّضوا لهجوم زمرةٍ اعتاشت على نفاق الجوّ العام، تحت ذرائع -مهما اختلفت- تبقى رهينة رغبتها في استثمار الغرائز.


الجوّ العام يُحبّذ وينبذ. ثقافة النفاق الإعلامي هي الرائجة، وثقافة النقد منبوذة. الجوّ العام يريد إعلاماً ممالئاً كاذباً تحت شعار "الثورية". تلك الزمرة تفهم ذلك، وتستثمر فيه غير عابئة بالنتائج، ما دام أفرادها يعيشون خارج فيزياء المأساة وداخل دول آمنة.


الذين روَّجوا لـ"داعش" في بداياتها بذريعة "فكرية" متهافتة، عن الشمولية الدكتاتورية التي لا يمكن مواجهتها إلا بشمولية دينية شبيهة بها، ها هم يعيدون الكرَّة في الترويج لـ"جبهة النصرة" بذرائع "فكرية" ودينية أكثر تهافتاً، تاركين ممرَّاً واحداً إجبارياً لمعارضة الأسد، ألا وهو تأييد الجولاني.


مصطلحات "فطائس" و"تمَّ الدعس" و"تحت أقدام المجاهدين"... لم تزل مستمرَّةً ومرغوبةً من قبل قطاعٍ غرَّرَ به الجهل حتى بات يرى في الشتيمة فعلاً ثورياً، وفي الكذب فعلاً ثورياً، وفي التلفيق فعلاً ثورياً.


لقد تعرَّضت الثورة في سوريا إلى ما يشبه "التصفية" على المستوى الفكري، ساهم فيها –بعد النظام- رعاعُ المنابر وأشباهُ المثقفين الذين رأوا في مسايرة الانحطاط أسرع الطرق للانتشار. ولا نبالغ إذا ما قلنا بأنَّ هذه التصفية الفكرية للثورة هي التي مهَّدت لما نراه اليوم من تصفيات أخرى على المستوى السياسي، بل وحتى على المستوى العسكري.


بالطبع لم تُنتج ثورات العرب الحديثة فلاسفةً ومفكّرين، ولكنها مع ذلك نجحت، إبَّان انفجارها الشعبي، في رسم خطوط فكرية عريضة (حرّية، ديموقراطية، دولة مدنية...) شكَّلت الغطاء النظري الذي حماها مدَّةً من الزمن، في انتظار أن تنجح في بلورة الفلسفة الخاصة بها.


في سوريا، حتى تلك الخطوط، التي ظننا أنها كفتنا شرَّ العَوَز التنظيريّ لبعض الوقت، تمَّ محوها برصاصٍ أطلقته فوَّهة بندقية أخمصها لم يزل عالقاً في عصر ليس هذا العصر. حتى صارت المجاهرة بـ"كفر الديموقراطية"، وفي القلب منها تكفير أصحاب الفكر المدنيّ، تجمع من المهلّلين والمصفّقين ما لا تجمعه أيُّ فكرة أخرى.


المظلومية الشعبية استُعملت أشنع استعمال حين أُريد لها أن تكون مبرّراً لكلّ حالة الانحطاط الثوري الذي وصلنا إليه، وحين أُريد لها أن تكون آلةً لإعادة إنتاج فكر إجرامي معادٍ للحضارة، كالفكر "القاعديّ"، وفق صيغةٍ تزعم سوريَّتها، في معنى أنها تطمح إلى أن يتمّ تقديمها كحالة وطنية طبيعية.


إنَّ النقاش حول هذه المعضلة أساسي وجوهري، إلى درجة أنَّ أي سؤال مطروح خارجه، اليوم، لن يكون أقلَّ عبثية من سؤال العقيد المأسور عن عدد الركعات في صلاة المغرب.

Adhamadham
2019-05-26
الجهل واضح بالثورة وذلك بسبب تغييب المثقفين والعقول عنها اما قسرا او طوعا
ابو محمد
2019-05-26
هاي هي الحرية ...
سليم الحجي
2019-05-26
كلام واقعي ، اسلمة الثورة اتاحت للنظام وروسيا استئصال الثورة وتدميرسورية ولم يتبق سوى ما تبقى ...ماذا جنى الشعب المسكين في كل مناطق سوريا من هذه الشعارات سوى الدمار والتهجير ؟؟ نفس المبررات للتدمير والتهجير جاهزة الان في المعقل الاخير ... ادلب ... للاسف
علي العلي
2019-05-27
مسكين....ماهر شرف الدين...أشعر أحيانا أنه العاقل الوحيد في العصفورية السورية... لايمكن لثورة ان تنتصر في القرن الحادي والعشرين، حتى وإن كان الخصم نظاما متوحشا كالنظام العلوي، اذا انحصرت أولويات الثوار في المحاكم الشرعية... والصلاة الإجبارية...وعدة المطلقة...الثورة في المجتمعات القروسطية العربية لن تنتج حرية او ديمقراطية او عدالة اجتماعية..بل عساكر أميين أسوأ من الديكتاتوريين السابقين...السيسي...والسبسي...وحفتر..والحوثي...وحميدتي...ونحن بانتظار اسم الزعيم الجزائري الملهم....يا أمة ضحكت...هههههه....من جهلها الأمم
سالم الدوائر
2019-05-27
والله كلامك ينم عن حقد دفين ويجب علينا تذكيرك انت وأمثالك من ......... بأننا خرجنا من المساجد ولن نرضى إلا بعودة حكم الشريعة
أحدهم
2019-05-27
بغض النظر عن فكر من ذكرتَ ماذا أنتجت مدنيتكم ومقاصدكم الدنيوية الدونية منذ سقوط الخلافة؟ طبعا أريد نتائج غير: الذل والعار والعمالة وإرضاء الغرب أمة الإسلام بوصلتها واحدة لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم فإن لم يكن دينك أولى أولوياتك فسلام عليك في المخذولين
سلطان
2019-06-02
بالغت كثيرا
التعليقات (7)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
إنزال جوي لقوات التحالف بريف دير الزور      مجزرة بحق 6 فلاحين أثناء حصاد موسمهم في بادية حمص والأهالي يتهمون النظام      مقتل مجموعة من قوات الأسد في ريف اللاذقية      توتي يعلن استقالته من إدارة نادي روما      تركيا.. ضبط 585 كغ من الهيروين على متن شاحنة إيرانية      باسل خياط يعلق على قرار طرده من نقابة الفنانين التابعة للنظام      وفاة الرئيس المصري السابق محمد مرسي      بولتون: ترامب لن يسمح لإيران بتطوير أسلحة نووية