أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

رجل بعمر دولة.. "صفير" رحلة البطريرك الذي وضع الأسد في سلة المحذوفات وكشف زيف "عون" قبل 30 سنة

البطريرك نصر الله بطرس صفير في 8 أيار/مايو 2008 - جيتي

.. بل هو أكبر إن شئنا الدقة في التواريخ، فـ"مار نصر الله بطرس صفير" الذي نعاه لبنان اليوم، أكبر من لبنان كـ"دولة"، لأن تاريخ ميلاده يعود إلى 15 أيار/ مايو 1920، فيما أنشئت "دولة لبنان الكبير"، التي غدت فيما بعد "الجمهورية اللبنانية"، بأمر من المندوب الفرنسي "الجنرال هنري غورو" بتاريخ 1 أيلول/سبتمبر 1920.


لعل هذه أولى الدلالات التي تشير إلى "حجم" الرجل، ولكنها تعد دلالة ضئيلة إذا ما قيست بتاريخه وسيرته التي امتدت 99 عاما، كان فيها الاستثناء البارز بين كل زعماء لبنان السياسيين والدينيين والعسكريين..، وكان استثنائه نابعا من ثباته الفريد في بلد ومحيط، تتغير معادلاته وتحالفاته من النقيض إلى النقيض بين يوم وآخر، بل بين ساعة وساعة.


ثباته لم يكن كلاميا، وهو صاحب العبارة المشهورة التي تقطع الطريق على أي تراجع "لقد قلنا ما قلناه".. بل كان ثبات مواقف أيضا، رغم جبال الإغراءات والتهديدات والضغوطات التي كانت تحف به، لاسيما خلال ترؤسه الكنيسة المارونية مدة ربع قرن، حتى ولو كان هذا الثبات سيكلفه مخالفة رئيسه الروحي والرسمي الأعلى "بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني"، حين رفض وبكل صلابة أن يزور "دمشق الأسد" برفقة البابا عام 2001، بعد نحو عام من وراثة بشار لكرسي الرئاسة، وهي الزيارة التي استغلها النظام أكبر استغلال لإضفاء مزيد من الشرعية على حكمه، ولكن "الحبر الأعظم" قبلها وقام بها، فيما رفضها "صفير" الذي خبز آل الأسد وعجنهم، وكان شاهدا على مختلف أنواع انتهاكاتهم وفسادهم وإفسادهم في لبنان.


وفي حين كان يفترض برأس الكنيسة المارونية أن يكون رافضا لاتفاق يقلص صلاحيات الرئيس الماروني، فقد أعلن "صفير" تأييده ومباركته لاتفاق الطائف، باعتباره الحل المتاح لإنهاء حرب أهلية أتت على أخضر لبنان ويابسه، لكن حافظ الأسد صادر "اتفاق الطائف" وفسره على هواه، كما صادر من قبل "قوة الردع العربية" في لبنان واختزلها بقوة احتلال أسدية، كانت كافية لزرع حقول من ألغام الحقد بين البلدين والشعبين، استاء منها كل من يؤمن بحسن الجوار، وطرب لها أسياد "فرق تسد" وعبيدهم، وفي مقدمتهم آل الأسد.


ولكن قوة ثبات "البطريرك صفير" لاتقاس فقط بشدة مقاومته للضغوط التي تعرض لها، ولا المواقف التي عاكس فيها التيار الجارف في بلده (الاحتلال الأسدي، عملاء وأتباع الأسد في لبنان، مليشيا حزب الله...)، بل إنها تقاس -وهو الأدعى للدهشة- بمدى استمراريتها وديمموتها ومرافقتها للرجل كل عمره حتى أطلق زفراته الأخيرة.


*بوس الصورة
الرؤية الثابتة لـ"صفير" كانت عنده تبعا للرؤية الثاقبة، ولم تكن اعتباطا، وقد كان من المثير للدهشة أن يقف الرجل الذي يعد "قديس السيادة والاستقلال اللبناني"، خصما ومناهضا لشخص ينادي بهذه السيادة في خطاباته، وهو العماد ميشيل عون.


فقبل عقود، نصب "عون" نفسه حامي حمى سيادة لبنان والمقاوم الأكبر للاحتلال الأسدي، لكن "صفير" أيد انتخاب "رينيه معوض" الذي اغتاله الأسد فيما بعد، وهو الموقف الذي أغضب "عون" وشبيحته فاندفعوا في أحد أيام تشرين الثاني من عام 1989 إلى "بكركي" حيث مقر البطريركية، وهاجموها واعتدوا على "صفير" وهو القامة التي كان يقف الكثيرون عند حدودها.


وتعبير "شبيحة عون" ليس مجازيا هنا على الإطلاق، لأن ما قام به المعتدون على "صفير" نسخة مكررة من أفعال "شبيحة الأسد"، فقد اقتحم شبيحة عون حينها المقر البطريركي بالقوة، مرددين هتافات "بالروح بالدم نفديك يا عماد"، وانتزعوا صورة "صفير" فكسروا إطارها ومزقوها ورفعوا صورة "عون" بدلا عنها، وأمعنوا أكثر عندما علقوا صورا أخرى لعون في قلب "بكركي"، بل إنهم ألصقوا صورة لعمادهم (الذي نعى صفير اليوم!) على كرسي البطريرك نفسه.


"زعرنات" شبيحة عون الذين حضر بعضهم بسلاحه، لم تنته عند هذا الحد، بل كسروا كثيرا من محتويات المقر وأحالوها خرابا، ثم طالبوا البطريرك علنا بأن يقول "أنا معك ياجنرال عون"، وزادوا بأن أمروه بتقبيل صورة عون هاتفين بجنون: "بوس الصورة، بوس الصورة"، لكن "صفير" الذي قاوم سادة هؤلاء الرعاع –أسديين وعونيين- لم يكن ليجبن عن مقاومة الرعاع أنفسهم، فرفض ضغوطهم وبقي ثابتا في موقف لم يستطع بعض من كانوا من رجال الدين احتماله، ومنهم بشار الراعي (خلف صفير وحليف بشار)، الذي انسحب من المشهد (كان واقفا بجانب صفير يومها)، لأنه لم "يعد يحتمل" حسب تعبير "الراعي"!


"الراعي" نفسه هو الذي أدخل الكنسية المارونية وبطريركها فيما يمكن تسميته مجازا في "خريف البطريرك"، بعد أن كانت تعيش مرحلة ربيع دائم في عهد "صفير"، ربيع عنوانه الدفاع عن استقلال لبنان وحريته ومقاومة الطغيان الأسدي "والحزبلاتي" فيه، وصولا إلى إصدار بيان 2000 الذي دعا فيه علنا لانسحاب جيش الأسد من لبنان، والذي تحول إلى واقع عام 2005، لكنه بقي منقوصا في عرف ورؤية حراس السيادة الحقيقيين، وعلى رأسهم "صفير"، الذي أكد أن الأسد لم يغادر لبنان وأن أصابعه وأتباعه ما زالوا حاضرين في البلد.


*خريف البطريرك
شيء وحيد ربما يكون قد غاب عن الرجل المحنك الذي عاش قرنا كاملا (أو لم يرد الخوض فيه)، ألا وهو أن يكون زميله في الكنيسة وخليفته في رئاستها، هو أحد مخالب الأسد في لبنان، بل أن يهدر هذا "الخليفة" تاريخا طويلا من مقاومة الكنيسة المارونية لآل الأسد وهم في عز تسلطهم وتجبرهم وإجرامهم، ويستعيض عنه بالخضوع لهم، وهم يواجهون الصرخات التي تؤذن بزوال كيانهم "حرية.. حرية".


ولعلها قمة المفارقات أن تكون السنة التي اختار فيها "صفير" الاستقالة من زعامة الكنيسة هي 2011، وأن يكون يوم تنصيب "بشارة الراعي" خليفة له هو 15 آذار/مارس 2011، اليوم الذي دخلت فيه سوريا خط اللا عودة، مع ثورة شعبية لم يدخر النظام أي جهد في حرفها وحرقها منذ اللحظة الأولى.


محاولات الحرف والتشويه لم تكن فقط على الصعيد المحلي، بل امتدت للخارج، وابتدأت من لبنان، هناك حيث امتشق السياسيون ألسنتهم والمليشاويون أسلحتهم والإعلاميون أقلامهم ورجال الدين تأثيرهم، ليرددوا في جوقة واحدة: إنها ليست ثورة، إنها مؤامرة، الأسد يحارب الإرهابيين ويدفع فاتورة المقاومة.


وإذ كان مستهجنا أن يتجرأ أحد على هدم إرث الكنيسة في رفض التذلل على أعتاب الأسد أو زيارته في عقر داره (لم يزر أي زعيم للكنيسة المارونية دمشق منذ استقلال لبنان)، وكان من المستبعد حد الاستحالة أن يقدم أحد على طمس آثار حقبة "صفير" أمام أعين "صفير" نفسه.. فقد قص "الراعي" شريط المستحيل، وافتتح عهد الإذعان، عبر زيارة لدمشق في خريف 2013 أدخلت البطريرك وبطريركيته مرحلة الخريف، كما سبق وأسلفنا.


وفي حين رفض "صفير" زيارة سوريا المحكومة بقبضة الأسد، ولو كان ذلك سيفوت على البطريرك فرصة بحجم مرافقة "الحبر الأعظم"، مخافة أن يتم استغلال زيارته سياسيا (للعلم، كان بشار حينها في الإعلام العربي والغربي طبيبا ومثقفا وشابا منفتحا وقائدا إصلاحيا يأخذ بيد سوريا نحو مستقبل لا يشبه ماضيها الأسود).. في حين تمنّع "صفير" وقت كان الكثيرون يتوافدون على الأسد الصغير، عمد "الراعي" إلى زيارة دمشق التي كانت كغيرها من بقية المدن السورية تحت وطأة نار مجنونة أوقدها بشار وداعموه.


وذهب "الراعي" أبعد ليزيل أي شك حول أهداف وطبيعة زيارته، حين قال في عظته (خطبته الدينية) التي ألقاها في دمشق: "كفى إذكاء للحرب والدمار والقتل... يقولون من أجل الإصلاحات... لكن الإصلاحات لا تفرض فرضا من الخارج، بل تنبع من الداخل حسب حاجات كل بلد، ولا احد أدرى بشؤون البيت مثل أهله".


ولم يتوقف "الراعي" عند هذا الحد، بل استغل معظم تصريحاته في لبنان وخارجه لتقديم روايته ورواية النظام لما يجري في سوريا، وحتى لا يقال إن زيارته لسوريا الأسد هفوة أو سقطة (لاسمح الله!)، فقد عاد في زيارة تحمل أكثر من دلالة عام 2015، ميمما شطره هذه المرة صوب "طرطوس"، المحافظة التي قدمت أكبر دعم بشري لقوات الأسد، وقتل وجرح من أبنائها مئات الآلاف على مذبحه.


اليوم، وبعد وفاته، يتضح لمن يقرؤون الأحداث بعناية، أن حجم "مار نصرالله بطرس صفير" كان أكبر من لبنان بكثير، وأن دوره في منع استلاب جار سوريا الصغير وتحويله إلى مزرعة أسدية إيرانية خالصة(100%) هو دور أشمل من أن تحصيه مواقفه في رفض الاحتلال الأسدي، والتحفظ على التمديد لعميله "أميل لحود"، ومجابهة عون وشبيحته، وتمنعه عن المشاركة في استقبال بشار في زيارته اليتيمة إلى لبنان، وصولا إلى إحجامه القاطع عن زيارة بشار في دمشق، وهو الذي سئل يوما هل ستزور "قصر المهاجرين" فأجاب بسخرية لاذعة، وكبرياء لايقدر على تحمل عواقبه إلا الثابتون: "قصر المهاجرين؟! أين يقع هذا القصر لا أعرفه، لم أسمع به من قبل".. نعم لقد وضع "مار نصر الله بطرس صفير" الأسد في سلة المحذوفات حيث يجب أن يكون، بينما كان كثير من اللبنانيين، الذين نعوه اليوم، ومازالوا يضعون الأسد في قائمة المفضلات بل وحتى المقدسات.

إيثار عبدالحق - زمان الوصل
(18)    هل أعجبتك المقالة (17)

اتمنى لو رجل دين مسلم يست

2019-05-12

لقد استقال صفير من منصبه قبل سنين - اتمنى لو رجل دين مسلم يستقيل.


ياسر الصوفي

2019-05-13

لروحه السلام والطمأنينة كان هامة وطنية.


التعليقات (2)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي