أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

القبيسيات وإثارة الجدل...دراسةٌ عن السلطة والدين

مقالات وآراء | 2014-05-19 00:00:00
القبيسيات وإثارة الجدل...دراسةٌ عن السلطة والدين
ناصر زين - ريف دمشق - مشاركة لــ"زمان الوصل"
ذكرت في المقال السابق عن بعض الجماعات الدينية التي ساندت النظام وعن السلطات الدينية التقليدية وأثرها في تحطيم المجتمع السوري الإسلامي والموقف من الثورات العربية والتبرير بأمر الفتن وعدم جواز الخروج على الحاكم وقبول الحكم المتغلب الذي هو بتضاد وتنافر كبير مع الشورى وأحكامها والتي قام عليها الإسلام السياسي الناجح والذي يعتبر منهج النبوة، وكان لابد من ذكر الحركة النسوية السورية "القبيسيات" وعلاقتها بنظام البعث وتمددها عالمياً من دمشق والأدبيات الداخلية المقتصرة على الدعوة والأعمال الخيرية ولا علاقة لها بالسياسة لا من قريبٍ ولا من بعيد.

1- التأسيس ثم الانتقال إلى العالمية:
تعود التسمية إلى شيخة الحركة منيرة القبيسي (1933) والتي كانت مدرسة لمادة البيولوجيا في مدارس دمشق في الستينات ثم نالت شهادة من كلية الشريعة ومارست الدعوة وجذبت إليها الكثير من الفتيات في أيام كان البعث قد بدأ باعتلاء السلطة شيئاً فشيئاً، وبدأت القبيسي بالشهرة والانتشار وكانت من تلميذات مفتي الجمهورية أحمد كفتارو ذي الميول الصوفية البحتة والنقشبندية خصوصاً، فتتلمذت على يديه مدة طويلة، ويعتبر مراقبون أن الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي كان مؤثراً فيها وبدعوتها أكثر، فالمفتي قدم لها الدعم بسبب علاقته بالأسد الأب والبوطي قدم النصائح الفكرية والدينية وذلك بسبب أنه مفكر وصاحب دراسات أكثر مما هو متصوف أو صاحب طريقة.

ومع ذلك كانت القبيسي على درجة من الذكاء، إذ اقتربت من كل الجماعات الإسلامية الدعوية في سوريا مثل معهد الفتح وجماعة زيد وجماعة بدر الدين الحسني، ما زاد من نفوذها ويقول باحثون إن أغلب زوجات الشيوخ السوريين المعروفين من القبيسيات أو لهن علاقة جيدة بآنساتها.

وتعتبر لقب "آنسة" أو "حجة" ذات رتب عليا ضمن الحركة ولا تناله أي فتاة بل بحسب العمر والأقدمية والمستوى العلمي والديني. 

لا تعد الجماعة النسوية ذات مستوى علمي واسع أو متخصص، فهي مقتصرة على الدعوة والأذكار وتعليم قراءة القرآن وحفظه وجلْب أكبر عدد ممكن من الفتيات إلى الاهتمام الديني مع عدم إغفال الدراسة أو الحياة المجتمعية الراقية أو المخملية وهنا تتهم الجماعة بأنها حضن العائلات الغنية وذات الدخل الكبير مقارنة مع سواها ويظهر ذلك من قيادة السيارات الفخمة لأغلب آنساتها أو مريديها.

تهتم الجماعة بشكل كبير بالموضوع الثقافي أو العلم الدنيوي فأغلب منتسبيها جامعيات، وتحث الآنسات تلامذتها على التفوق العلمي الجامعي فهناك الكثير من حملة شهادات الطب والهندسة، إضافة إلى حَمَلة الدكتوراه ومدرسات في الجامعات وهناك ربات بيوت، وحفظ القرآن شيء مهم جداً، إضافة إلى كتب محددة يتدارسون فيها وهي ذات مستوى ديني ليس قويا أو معتمدا بشكل واسع كفقه العبادات للحاجة درية العيطة وكتاب ((عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة)) لمدرسة معهد الفتح سعاد ميبر وكتاب ((الجامع في السيرة النبوية)) عشر أجزاء للدكتورة سميرة الزايد وغيره.
وزاد من انتشارهن بشكل مثير للاهتمام سيطرتهن على نسبة واسعة من المدارس الخاصة وخصوصاً في دمشق وريفها، ما زاد في شهرتهن حيث تعد مدارسهن الأشهر والأكثر رغبة بسبب المناهج التي تهتم بالدين مع العلم الدنيوي وإن كان بشكل بسيط .
والقبيسيات ليس اسم الجماعة بل أطلقه المنتقدون لهن، فهم لا اسم محددا لهن ولا مدرسة محددة ومع ذلك هن أقرب للمدرسة الوسطية المدينية من السلفية والصوفية.
وانتشرن في بقاع العالم بشكل كبير جداً في الأردن عرفوا بالطباعيات نسبة لفاديا الطباع السورية الأصل وفي لبنان بالسحريات نسبة لسحر حلبي وكما لهن انتشار واسع في أوربا وأمريكا والخليج العربي.
واستطاعت الشخصية الكاريزمية لمنيرة القبيسي ومن حولها أن تنشئ تنظيماً بالمعنى الحقيقي بشكل هرمي دقيق جداً وتراتبي وإن كان بعض الغموض يسيطر على الحال، ومن أشهر الآنسات في الصفوف الأولى ((أميرة جبريل)) أخت أحمد جبريل والمعروف اليوم بوقوفه إلى جانب النظام الأسدي واشتراكه في العمليات العسكرية في المخيمات الفلسطينية السورية وتجويعها وحصارها والمعروف أنه يساري التوجه والتي لها دور ريادي في انتقال التنظيم للعالمية، وخير جحا ومنى قويدر ونهيدة طرقجي وفائزة طباع وفاطمة غباز ونبيلة الكزبري ورجاء تسابحجي وغيرهن.

ويتهم القبيسيات بأنهن يعزفن عن الزواج وأن كثيراتٍ منهن مطلقات أو لا يقبلن بالزواج أبداً وذلك للتفرغ للدعوة والعبادة مع أنه لا رهبانية في الإسلام والأمر ليس معممٌ طبعاً.

وتُعرف فتياتهن من اللباس شبه الموحد بينهن عن طريق الإشارب الكحلي اللون أو الأبيض وذلك بحسب درجة الآنسة ولا يخلو الأمر من ارتداء النقاب لبعضهن، إضافة للباس الشامي المشهور ((المانطو)) ...

2- التنظيم بين السرية والعلنية:
لا أقتنع كثيراً بأن هناك تنظيما ما سري داخل سوريا قبيل الثورة وحكم الأسد الأب والابن، فكل الحركات الإسلامية والأحزاب على اختلاف توجهاتها اخترقت واكتشفت، فكيف بحركة نسوية وفي قلب دمشق العاصمة وذلك لمن يعرف النظام القمعي المخابراتي قبل الثورة يعلم أن الأمر لا يعدو أوهاما في أن يكون هناك تنظيمات سرية والأكثر تهريجاً أن تكون إسلامية وحتى لو لم يكن لها علاقة بالسياسة، فحفل العرس يحتاج موافقة من فرع المخابرات الجوية.

من الممكن أنها سرية بالمعنى الشعبي، أي أن الشعب لا يعرف الجماعة عن قرب، أما النظام من يملك الكثير من المخبرين والمخبرات لن يخفى عليه هكذا شيء وخصوصاً بعيد اقتتاله مع الإخوان المسلمين ... واعتقاله لمئات الألوف من الشعب على مدار السنين من كل التوجهات ومن لا يملك أي توجه.
ومن الوارد أن تكون سرية لأنها كانت مقتصرة على حلقات البيوت وأن الكثيرات من التلميذات لا يعرفن وجه المؤسسة الأم ((منيرة القبيسي)).

ومع ذلك استطاع بعض الشيوخ المقربين من السلطة بإقناعها بأن يعطوا القبيسيات حق التدريس في الجوامع وكان ذلك في عام 2006.
قوبل القبيسيات بوابل كبير من النقد وصلت حد التكفير حيناً واستخدام السحر أو الإشراك والغلوّ في اتباع الشيخة وبعض الافتراءات، ولا يخلو أي تنظيم من هكذا مشادات مع أعدائه أو منتقديه، وخصوصاً من السلفية التقليدية والأحباش ومنهم من ألف كتباً لتحذير من خطرهم، ولا شك أن الأمر فيه حقيقة لكن لا أظنها تصل لأكثر من الاختلاف المعتاد بين الحركات الإسلامية.

3- الثورة السورية ما بين الصمت واللقاءات الرئاسية:
مع بداية الثورة السورية عرف رأي القبيسيات بأنهن مع الصمت وعدم الدخول في السياسة بأي شكل من الأشكال من قبل الثورة وما بعدها. ويقول باحثون هو سبب انتشارهن عالمياً أنهن لم يتطرقن للسياسة أبداً.
و يذكر الدكتور عبد الرحمن الحاج: "في شهر آذار 2007 حاولت إحدى القبيسيات ترشيح نفسها لانتخابات مجلس الشعب نظراً لنشاطها الاجتماعي الواسع، لكن (الآنسة الكبيرة) رفضت ذلك رفضاً قاطعاً؛ فمن جهة الابتعاد عن المجال السياسي كان مبدأً قبيسياً حمى "الأخوات" في أحلك الظروف التي مرت بها سوريا والمنطقة، ومن جهة ثانية فإن معنى خوض انتخابات مجلس الشعب من قبل إحدى الأخوات أن التنظيم يمارس عملاً سياسياً مبطناً في وقت كانت الاتهامات من قبل الأجهزة الأمنية وبعض الأصوات العلمانية المتطرفة تخوف من القبيسيات باعتبارها تنظيما سياسياً سرياً، ولو سمح لهذه القبيسية خوض الانتخابات لكان ذلك بداية لتدهور الحركة، في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية لديها حساسية غير عادية تجاه التنظيمات الدينية وحركات الإحياء الإسلامي السياسي".

ولكن قرب الجماعة من المؤسسة الدينية التقليدية السورية والجماعات القريبة من النظام وخصوصاً البوطي، الكفتاريون، الفتح...وانقلاب بعض الجماعات كجماعة زيد وبعض الشيوخ المعروفين أثر في هيكلية القبيسيات بشكل ليس هينا، ففي عام 2011 ظهر فيديو على شبكات التواصل الاجتماعية تحت مسمى انشقاق حرائر من دمشق عن القبيسيات، وتشكلت صفحة على "فيسبوك" تحت اسم ((حرائر الثورة المنشقين عن القبيسيات)) وتوجه الصفحة انتقادات لاذعة لآنسات التنظيم، فيما يبرر بعض الواقفات مع الثورة من البداية أن بعض آنسات التنظيم هم ضد نظام الأسد وضد الإجرام الذي يقوم به لكن معرفتهم بالفتك والعنف الذي سيقابل به فتيات الجماعة هو الذي حال دون ذلك، وقالت لي مقربةٌ منهن كانت تخرج في المظاهرات ولها نشاطات إغاثية للاجئين إن النظام يعتقل الرجال والنساء واعتقال الفتيات، هو مصيبة لأن أزلامه سيقومون بكل شيء ضمن التحقيق ويصل الأمر إلى الاغتصاب، والجهاد فرض عين على الرجال أما النساء فلا...

وتكمل لتقول إن الابتعاد عن السياسة قبل الثورة كان سهلاً، لكن الآن قام النظام بإدخال كل من يستطيع إدخاله إلى حقل التأييد وشرعنة القتل، فقد أصبحت نائبة وزير الأوقاف قبيسية ((الدكتورة سلمى عياش)) والتي تكلمت عن فقه الأزمة والذي أدرجه شيوخ النظام ووضعوا أسسه بشكل لا يمت لواقع الثورة ولا الدين بصلة.

ولا شك أن التنظيم كما كل الجماعات الإسلامية السورية يحوي الكثير من مؤيدي الثورة ومسانديها في الصفوف الأخيرة أما الصفوف الأولى، فهي كغيرها ملازمة للسلطة الحاكمة والتي تبطش بالشعب غير آبهين بكلمة الحق التي ترفع أصحابها عند الله وكلمة الباطل التي تغضب الله وتأخذ صاحبها إلى الويل والانحطاط.
وبذلك نرى أن النظام السوري استطاع الدخول للبيوت السورية بكل الطرق والوسائل مشتتاً لها ومدمراً للبنى الاجتماعية ومستفيداً من الخطاب الديني المصاحب له عالمياً ومحلياً، وبأن ذلك من اجتماعه مع القبيسيات مؤخراً لمدة ساعتين، ووصفت إحدى الحاضرات كلامه بأنه سخيف وأنه أي الأسد مجرم وسفاح في حين لاقى بالقبول من البعض الآخر بالغالب وانتهى اللقاء بظرف فيه مبلغ (30) ألف ليرة لكل داعية تكريماً لها على حسب زعمه..

ربما لن يغفر الشعب السوري لأي كائن وقف مع النظام القاتل ولو بشطر كلمة.
النظام الذي يضرب شعبه بالبراميل المتفجرة والكيماوي ودمر البلد على رؤوس أصحابها وهجّر الملايين ونكّل بهم واعتقل مئات الألوف وقتلهم تحت التعذيب الممنهج وجوعهم وحاصرهم وقطع عنهم كل سبل الحياة أياً كان صفته الدينية أو الاجتماعية فقول الحقيقة وكلمة الحق هو خير ما جاء به الإسلام والذي تتزين به القبيسيات وأي جماعة إسلامية أخرى في هذه الأرض.

المقال السابق 


تطرفٌ من نوع آخر.. دراسةٌ عن السلطة والدين
2014-05-06
*اعتماد مدرسة مساندة في كل الأنظمة الشمولية والعربية خصوصاً يعتمدون على الدين لكي يغطوا الشنائع التي يقومون بها من استبداد واعتقالات ونشر جهل وقتلٍ وتكميم أفواه وسرقة الثروات وما إلى هنالك من ممارسات أغلبها يتجه...     التفاصيل ..

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
زلزال جديد يضرب أندونيسيا بقوة 6.6 ريختر      الأردن: لا عودة قسرية للاجئين وندرس المقترحات الروسية بهذا الشأن      رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم: كان ينبغي دعم أوزيل بشكل أكبر      تنافس إيراني – صيني – روسي على سكك حديد سوريا      تحت إشراف روسي.. النظام ينبش قبور ضحايا الكيماوي في "زملكا"      بين إدلب وحماة.. مجالس محلية تطلب "الوصاية التركية وحماية المدنيين"      انطلاق الدوري الاسباني.. ميسي يمنح برشلونة بداية مثالية للدفاع عن اللقب      من ألمانيا.. بوتين يجدد الترويج لإعادة اللاجئين السوريين